نازحون من أحياء مدينة الحسكة السورية فارون من معارك قوات النظام وتنظيم الدولة يفترشون الشوارع والحدائق العامة في أجواء الصيف اللاهبة وسط نقص الغذاء والدواء والماء وطلب قوات حماية الشعب الكردي كفلاء لإدخالهم مناطق سيطرتها.

أيمن الحسن-الحسكة

تتفاقم مأساة النازحين بمدينة الحسكة السورية بعد نزوحهم من أحيائهم بسبب الاشتباكات بين تنظيم الدولة الإسلامية وقوات النظام ومليشياته. وافترش المئات الشوارع والحدائق والساحات في الأحياء التي لم تصلها المعارك والواقعة تحت سيطرة النظام.

وقررت عائلات أخرى التوجه إلى مدن وبلدات الريف بمناطق سيطرة وحدات حماية الشعب الكردي التي واجهتهم بطلب كفيل من أبناء المدينة للسماح بدخولهم. وفضلت بعض العائلات العودة إلى مدينة الحسكة، وتحمّل درجات حرارة تجاوزت 45 مئوية، على أمل العودة لاحقا لمنازلها.

ويفترش أبو محمد (65 عاما) مساحة صغيرة من أرض الحديقة العامة الفاصلة بين شارعي القامشلي ومستشفى الحكمة، ويحاول بحزن تهدئة حفيدة البالغ من العمر 7 أشهر من آثار حرارة الطقس.

نازحون شردهم القتال بين تنظيم الدولة وقوات النظام في مدينة الحسكة (ناشطون)

موجتا نزوح
وقال في حديث للجزيرة نت "لم تكن ليلة اعتيادية، فما زلت أتذكرها جيدا، فقد نزحنا أول مرة عام 2012 من مدينة دير الزور هربا من بطش النظام، وكانت الحسكة وجهتنا، وها نحن نواجه المأساة نفسها في الحسكة من جديد".

وأضاف "لم يكن أمامنا خيار آخر سوى التوجه إلى حدائق المدينة بثياب بالكاد تستر أجسادنا عندما بدأ تنظيم الدولة باقتحام حي النشوة الغربية.

وتابع "أنا أعيل أيتاما وعائلات معتقلين، وليس لنا من نلجأ إليه في المدينة أو خارجها، وكانت الحديقة خيارنا الوحيد، فقد افترشنا الشارع أو الحديقة مع عائلات أخرى وبتنا نساء وأطفالا ورجالا غرباء في بلدنا يطاردنا هاجس النزوح وأزيز الرصاص".

ويكمل الرجل الستيني "أكثر من 16 يوما ونحن على هذا الحال، ونحمد الله أنه فصل صيف وليس شتاء، ورغم ارتفاع درجات الحرارة التي ناهزت الخمسين، وتسببت ببعض الاضطرابات الصحية لدى الأطفال وبشهر رمضان الذي نصوم فيه أكثر من 17 ساعة يوميا".

ونوه أبو محمد إلى أن "أهل الخير قدموا لنا يد العون، وهم من أبناء المدينة، إضافة لمساعدات محدودة قدمتها جمعيات خيرية، فخروجنا المفاجئ لم يتح فرصة حمل ما نحتاج من منازلنا، ولا يمكنني المجازفة بالعودة لأخذ شيء منها، حيث الدمار والخراب والقنص في الأحياء الجنوبية".

شدة المعارك في عدد من أحياء الحسكة أدت لنزوح كبير (الجزيرة)

طرد النازحين
وشهدت الأحياء الجنوبية من المدينة "النشوة الغربية، والنشوة الشرقية، والفيلات، ومنطقة كلية الآداب، والليلية، وحي الزهور، وغويران" حركة نزوح هي الكبرى في تاريخها، بعد اقتحام تنظيم الدولة لها الشهر الماضي، ويقدر عدد النازحين منها بأكثر من 100 ألف إنسان.

وقال علاء، وهو من أهالي حي غويران ويقيم بحديقة الواحة، "نحمد الله الذي منّ علينا بالخروج والنجاة بأرواحنا، فقد توجهت وعائلتي إلى مدينة عامودا، ثم إلى القامشلي، وواجهتنا صعوبات كثيرة أبرزها طلب من يكفلنا للسماح لنا بدخول المدينة، "ومن الصعوبات أجور السكن المرتفعة واستغلال أصحاب المكاتب العقارية لظروفنا، لذلك قررنا العودة والموت بكرامة على التشرد".

وأكد علاء أن المتعهد الذي كان يستثمر الحديقة قبل الهجوم على المدينة طرده مع أكثر من 15 عائلة وتركها تواجه مصيرها.

تصاعد الدخان جراء المعارك بين تنظيم الدولة وقوات النظام في الحسكة (الجزيرة)

دمار كبير
وتعرضت الأحياء التي استعادتها قوات النظام ومليشياته، وأبرزها حي غويران بشقية الشرقي والغربي، لدمار كبير جراء استهداف قوات النظام له بقذائف المدفعية والدبابات والقنابل الفراغية والبراميل المتفجرة.

واقتصرت المساعدات المقدمة من الهلال الأحمر بمدينة الحسكة على تقديم الماء، حيث خصص خزان كبير لكل حديقة، وبعض الخبز ومواد التنظيف، وسط إهمال كامل للجانب الصحي، إذ عمد النظام إلى إغلاق المستشفيات كافة بوجه المدنيين لإتاحة المجال لجرحاه فقط بعد خروج المراكز الصحية والمستشفى الوطني عن الخدمة بسبب نزوح الطواقم الطبية.

وأكد مصدر في الهلال الأحمر فضّل عدم ذكر اسمه وجود "600 سلة إغاثية هي كل ما بحوزة الهلال الآن، قسمت لتصبح 1200 سلة، وتقتصر على بعض المنظفات والأطعمة التي لا تكفي أكثر من يومين". وأشار إلى الطريقة المهينة التي يتعامل بها مسؤولو الهلال مع النازحين، حيث يكيلون لهم الشتائم، حسب قوله.

وتجدر الإشارة إلى تزايد لجوء أعداد كبيرة من النازحين لمدارس المدينة وخارجها، عقب اشتداد المواجهات في الأحياء الجنوبية، ويقدم لهم متطوعون محليون بعض الاحتياجات الضرورية ووجبة طعام يوميا.

المصدر : الجزيرة