جنوح شرائح من المجتمع السني اللبناني للتعاطف مع التيارات الجهادية جاء على خلفية مساعي حزب الله لخلق عدو يواجهه بالسلاح لا بالحوار، وفق مراقبين أكدوا استفادة الحزب من واقع التطرف واستفزازه لخصومه عبر القتال في سوريا إلى جانب النظام.

حسن الحاف-بيروت

لا يمكن نقاش حقيقة "التطرف" في الساحة السنية اللبنانية من دون تقصّي مختلف الأدوار والسياقات التي حكمت تطور هذه البيئة في السنوات الأخيرة.

ويقول المحلل السياسي فداء عيتاني للجزيرة نت إنه لا يمكن الحديث عن دور حزب الله في الدفع باتجاه التطرف في الساحة السنية اللبنانية بمعزل عن أدوار الآخرين والسياق الذي أوصل الأمور إلى ما وصلت إليه.

فالمسؤولية -حسب عيتاني- متكاملة وتبدأ من صعود موجة الإسلام السياسي نتيجة فشل المشاريع الوطنية، مروراً بانهيار مقومات التسوية التاريخية التي قام عليها لبنان نتيجة اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري عام 2005.

يضاف إلى ذلك "هشاشة القيادة السنية الليبرالية التي ورثت تركة الراحل الحريري، وسهّلت لحزب الله اختراق الساحة لتنمية العدو المحبّب إلى قلبه: التطرف".

ويرى عيتاني أن حزب الله ظل خلال السنوات الأخيرة يدفع باتجاه ولادة العدو الذي يستطيع شيطنته بالكامل، لا العدو الذي يستطيع النقاش معه.

ويضيف أن الحزب ساعد سرّاً وعلناً مجموعات مسلحة، سواء كانت موالية له كسرايا المقاومة، أو تبطن العداء له كبعض المجموعات الإسلامية. كما أسهمت مشاركاته العسكرية في غير بيئته الأهلية إلى دفع الأمور نحو اللاعودة، حسب تقديره.

وفي أحد مقاهي منطقة الطريق الجديدة في بيروت يبدو الناشط هيثم البيضاوي متشائماً حيال مستقبل العلاقات بين مختلف ‏مكونات العاصمة.

عيتاني: حزب الله ظل يدفع باتجاه ولادة عدو يستطيع شيطنته بالكامل (الجزيرة نت)

انتظار الموت
يقول البيضاوي إن أهالي المنطقة التي تعد معقلا لتيار المستقبل ينتظرون حصول اعتداء عليهم ‏بصورة دائمة، فبعد اغتيال الرئيس الحريري واضطرار نجله سعد الحريري  ‏للبقاء خارج لبنان بفعل التهديد المتواصل، "صارت المنطقة أمام خيارين: إمّا القتال ‏حتى آخر نفس دفاعاً عن بيوتنا وأرزاقنا، وإمّا انتظار الموت". ‏

ويرى أن الحديث عن التطرف في المنطقة مبالغ فيه، "فليس كل من أرخى ‏لحيته ولبس عباءة متطرفاً".

لكنه في المقابل يقول "عندما يرخي ابن عمي لحيته ‏ويدافع عنيّ سأصير معه، فأنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب".

ويضيف للجزيرة نت "نحن مع من يدافع عنا إذا قصّر الجيش في ذلك، لكننا لن نسمح له بتغيير نمط حياتنا ‏وعيشنا".

ويقول علي حسن سلامة -وهو ناشط علماني- إن "منطقة البقاع أبدت في أكثر من محطة نفوراً تجاه الظواهر المتطرفة، كان آخرها إبان التحرك الأخير الذي تمدّد في أكثر من جهة إثر تسريب المشاهد المصورة لتعذيب الإسلاميين في سجن رومية".

ويوضح أنه في إحدى المظاهرات ببلدة "سعد نايل" في البقاع الأوسط، رفض أهالي المنطقة المشاركة في مظاهرة لحزب التحرير "الذي يدعو إلى الخلافة بعدما رفع شعارات طائفية صريحة".

البيضاوي: إما القتال دفاعا عن بيوتنا وأرزاقنا وإما انتظار الموت (الجزيرة نت)

الشعور بالاستهداف
على أن ذلك لا يلغي -حسب سلامة- تنامي ظاهرة التطرف في الفئة العمرية من  15 إلى 25 عاما، رداً على ما سماها عنجهية حزب الله.

وقد انعكس هذا النفور من سلوكيات الحزب على المنضوين في سرايا المقاومة في مختلف البلدات البقاعية السنيّة، حيث رفض هؤلاء المشاركة في قمع الثورة السورية، كما رفضوا سابقاً المشاركة في قتال أهاليهم في أحداث 7 مايو/أيار 2008، حسب تصوره.

ويختم سلامة بالقول إن معركة عرسال أشعرت أهالي المنطقة من أبناء الطائفة السنيّة بأنهم مستهدفون مباشرة، فصار يسمع على نطاق واسع كلام من قبيل "سنقاتل مع أيّ كان دفاعاً عن بلداتنا".

ويؤكد قيادي إسلامي من طرابلس (شمال لبنان) على أن المدينة لم تشهد أي جولة من جولات القتال قبل اجتياح حزب الله لبيروت عام 2008، "إذ انطلق القتال فيها كردّ فعل على ما جرى" في العاصمة.

ويوضح أن "أهالي المدينة وجوارها لم يبدؤوا بالانتقال إلى سوريا للقتال فيها إلى جانب المعارضة، إلا "بعدما انفضحت مشاركة حزب الله في القتال إلى جانب النظام"، مشيرا إلى أن ما سماها المواقف الطائفية لزعيم التيار الوطني الحر ميشال عون "قوّت العصب السنّي المتطرف".

المصدر : الجزيرة