نادرة هي الخلافات الكنسية التي تخرج إلى العلن في مصر، وأندر منها أن تصل إلى درجة الاحتجاجات داخل المقر البابوي الرئيسي للأقباط الأرثوذكس بالقاهرة، لكن هذا هو ما حدث بالفعل، حيث احتج أقباط للمطالبة بمنحهم الحق في الزواج الثاني.

دعاء عبد اللطيف-القاهرة

"لم أوّفق في زواجي الأول، لذا قررت الانفصال، لكنني لم أكن أعلم أني بذلك أنفصل عن الحياة وليس عن رجل". هكذا تلخص السيدة القبطية المصرية ماريان (25 سنة) مأساتها بعدما رفضت الكنيسة طلاقها من زوجها.

وهناك كثيرون كماريان توقفت حياتهم الزوجية بسبب ما وصفوه بتعنت الكنيسة ضد طلاقهم وزواجهم الثاني، الأمر الذي دعاهم للتصعيد والاحتشاد الأسبوع الماضي داخل الكاتدرائية المرقسية أثناء عظة البابا تواضروس الثاني، وقاطع المحتجون العظة الأسبوعية للمطالبة بحل أزمتهم، مما أدى إلى رفع البابا عظته للصلاة.

ومع إصرار المحتجين على إيصال معاناتهم لرجال الكنيسة، عبر الخروج من قاعة الوعظ إلى ساحة الكاتدرائية للهتاف، تدخلت قوات الأمن لفض الاحتجاج، وألقت القبض على عدد من المتظاهرين.
 
وحسب بيان أصدره القس بولس حليم المتحدث باسم الكنيسة، "فإن بعض الأشخاص أثاروا الشغب بصورة لا تليق باحترام الكنيسة وهيبة بيت الله". وأضاف البيان "برغم محاولات بعض الآباء احتواء الموقف والعمل على تهدئتهم فإنهم تمادوا في هذا الهياج، دون استجابة منهم، مما جعل قداسة البابا يتوقف وينهي العظة التعليمية الأسبوعية وغادر الكاتدرائية إلى المقر الباباوي".

البابا تواضروس قبل انسحابه من عظته الأسبوعية (الجزيرة)

وكان قطاع التشريع بوزارة العدل تسلم في مارس/آذار الماضي، مذكرة من رابطة "منكوبي الأحوال الشخصية للأقباط"، توضح مدى تأثير أزمة الأحوال الشخصية على الأسر المسيحية. وأكدت المذكرة أن الكنيسة "لا تعترف بالتطليق إلا لعلة الزنا، بالمخالفة لجميع قرارات البطاركة السابقين للبابا شنودة، الذين سمحوا بالزواج الثاني، وطالبت المذكرة "بتنفيذ الأحكام القضائية بالطلاق، وتشريع قانون مدني لزواج الأقباط".

وفي حديثها للجزيرة نت أكدت ماريان أن مشكلة الزواج الثاني "تفاقمت بعدما اتخذ البابا الراحل شنودة قرارا عام 2008 بإلغاء العمل بلائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس الصادرة عام 1938 التي وضعت أسبابا تسمح بالطلاق غير فعل الزنا الذي تشترطه الكنيسة الآن للاعتراف بالانفصال".

وترى ماريان أن "الحل الأمثل للأزمة" هو تطبيق قانون الزواج المدني، وقالت إن حياتها متوقفة بعدما قررت الانفصال عن زوجها قبل ثلاثة أعوام، وأنها تسعى لاعتراف الكنيسة بزواجها الجديد منذ عامين، مضيفة "صحيح أن معركتي لم تتجاوز عامين، لكن هناك حالات تجاوزت مأساتها سنوات عديدة وأخشى أن أصير مثلهم".

ومن جانبها، قالت الناشطة القبطية ماجي مجدي إن الأجهزة الأمنية أفرجت عن الأقباط المحتجزين بتهمة التجمهر في مقام العبادة بعد اتصالات أجراها البابا مع مسؤولين، لكنها انتقدت موقف البابا والكنيسة من الشباب المحتج، وقالت إن الأمر كان يتطلب سماع رجال الدين شكوى الراغبين في الزواج الثاني، واستطردت "البابا لديه مشاغل سياسية مع قائد الانقلاب العسكري تلهيه عن سماع ودراسة مشاكل رعايا الكنيسة".

أساقفة يحاولون تهدئة الموقف (الجزيرة)

ورغم انتقاد الناشطة القبطية موقف الكنيسة من المحتجين فإنها لا توافق على مطلب الطلاق للأزواج الأقباط، معللة ذلك بأن الإنجيل يمنعه إلا لعلة الزنا، معتبرة أن المطالبة بالزواج الثاني "تدعو بالتبعية للتدخل في النص والتشريع الديني، مما يمهد لتحريفه في ما بعد، والكنيسة المصرية قوية وستدافع عن نصوصها".

بدوره، رأى المستشار نجيب جبرائيل رئيس "منظمة الاتحاد المصري لحقوق الإنسان" أن الاحتجاج داخل الكاتدرائية المرقسية "أمر لا يليق بهيبة وقدسية بيت الله". وأضاف -في تصريح صحفي- "من يريد الاحتجاج والتظاهر فيمكنه فعل ذلك بكل الطرق الممكنة لكن بعيدا عن بيت الله، لأن الكنيسة لها وقارها والبطريرك له وقاره".

واتهم جبرائيل أعضاء في حزب النور السلفي بالوقوف وراء المظاهرات بالكنيسة، وتساءل "أليس نادر السيرفي الذي يقود هذه المظاهرات هو عضو في حزب النور السلفي الذي يطالب بقتل الأقباط ودفعهم الجزية؟" لكنه رفض القبض على الأقباط المحتجين داخل الكاتدرائية وتحرير محاضر شرطية لهم.

المصدر : الجزيرة