الصورة الذهنية للأمم المتحدة ووفودها الزائرة لريف دمشق ترتبط دائما في أذهان البسطاء هناك بسلة مساعدات تخفف معاناتهم التي تتزايد بالحصار وطول أمد الحرب، لكن أيا منهم لم يجد شيئا مما توقعه خلال الزيارة الأخيرة التي قام بها وفد أممي.

علاء الدين عرنوس-ريف دمشق

لم تكن السيدة السورية خولة تعلم أنها لن تحصل على سلة غذائية كما اعتقدت هي وعشرات المنتظرين أمام مبنى البلدية، حيث يجتمع الوفد الأممي الزائر مع المعارضة في معضمية الشام. فالأمم المتحدة تعني لهذه السيدة البسيطة وكثيرين غيرها قافلةً من المواد الغذائية التي توزع على المحاصرين في صناديق بنية اللون كُتب عليها  بالإنجليزية حرفا (UN).

وحمل أعضاء وفد المبعوث الدولي إلى معضمية الشام -الذي اقتصر على ثلاثة موظفين يرافقهم الحرس الشخصي والسائقون- سؤالاً وحيداً لأبناء المدينة المحاصرة: ما وجهة نظركم تجاه مبادرة دي ميستورا لحل النزاع بسوريا؟ لكن السؤال لم يكن يعني شيئاً لخولة التي قتل ثلث أبنائها وتوزع الباقون بين الزنازين والمنافي، وارتضت أن تكمل حياتها في تربية أربعة أحفاد يتامى في بيئة الحرب.

تسأل خولة جارتها المنتظرة في العراء "هل سيوزعون المعونات؟"، فأجابت "لو بدها تمطر لكانت غيّمت"، فما كان منها إلا أن جلست على حافة الرصيف بين الجموع المنتظرة لتستريح من رحلة مشي إلى مدخل المدينة حيث يحصل المحاصرون هناك على أربعة أرغفة لكل عائلةٍ تحمل بياناً عائلياً، وغالباً ما ينفد الخبز قبل أن تحصل السيدة الطاعنة في السن على حصتها اليومية من الخبز. 

عشرات البائسين قدموا للتعبير عن سخطهم على سياسات الحصار التي يتبعها النظام (الجزيرة)

علامات التعب بادية على وجه خولة (51 عاما) وحفيدها الصغير الذي اختار أن يلعب مع رفاقه بين السيارات التابعة للوفد تاركاً لجدته دقائق من البوح للجزيرة نت، حيث تقول "دخول هذا الوفد لم يشفع لنا بإدخال ربطة خبز من خارج البلد، لماذا أتوا إذن إن لم يكن هناك إعانة؟".

وتضيف والدموع تنهمر من عينيها وهي تشير إلى حفيدها أحمد، "والله استدنت من جارتي كاسة سكر لتحضير الشاي لأولاد ابني، اسألها إن شئت، في بيتي لا توجد حبة برغل واحدة منذ أسبوعين".

وتتابع أنها لا تعرف ماذا تعني كلمة دي ميستورا، ولا سبب دخول الوفد الزائر إلى مدينتها المحاصرة، بينما تساءلت جارتها الجالسة معها "هل يعقل أنهم ليسوا أمماً متحدة؟"، وحين طلبنا منها التوضيح، أشارت إلى السيارات الأممية موضحةً أن شعارها يكون عادة أزرق اللون لا أسود.

وحين سألنا السيدة عن رأيها في حلٍ سياسي يخلص إلى وقف لإطلاق النار وإبرام هدنة، أجابت "لا أحد يريد المزيد من الموت لكنهم (النظام) يصّرون على إهانة الناس من أجل رغيف خبز".

حظيت خولة وجارتها بفرصة التحدث إلى رئيسة الوفد الأممي، الذي استمع أيضا إلى عشرات المدنيين المتجمهرين أمام مقر اجتماع الوفد. ولم يكن مدرجاً في جدول أعمال خولة مطر مديرة مكتب المبعوث الخاص أن تلتقي بالمدنيين الذين لم يكن يعرف أغلبهم سبب زيارة الوفد سوى أنه "أمم متحدة دخلت المدينة المحاصرة".

وجهة نظر خولة (المحاصرة) اختصرت بعرض واقعها اليومي على حواجز النظام وظروف ما تبقى من أسرتها أمام خولة (المبعوثة) التي بدت على قسمات وجهها علامات التأثر ضمن حياد وعجز لا يسمح للموظف الأممي بتجاوزه.

لم يكن مقدرا لخولة المحاصرة أن تبوح بغضبها على أشهر الحصار وفق هذا النحو، وأمام الجهة التي قصدت بلدة محاصرة للوقوف على وجهات نظر أهلها إزاء مستقبل المصالحة وسبل تحقيق الهدنة بين طرفي الصراع. 

المصدر : الجزيرة