الحرارة التي سببتها اللغة العربية لوزيرة البيئة في المغرب انتقلت من المؤتمر الصحفي إلى الشارع والمؤسسات التربوية والثقافية، حيث رأى كثيرون أن هذا التصرف يأتي في سياق ينتقص من الهوية الوطنية ويكرس ازدراء المسؤولين للثوابت وافتتانهم بلغة المستعمر.

الحسن أبو يحيى-الرباط

لم تتوقع وزيرة البيئة المغربية حكيمة الحيطي أن تتعرض لموجة انتقادات واسعة عندما صرحت مؤخرا بأن الحديث باللغة العربية يصيبها بالحمى.

وبينما يعتبر البعض أن سلوك الوزيرة غير مسؤول يرى آخرون أن هذا الجدل يكتسي طابعا عاطفيا لا يأخذ في الحسبان أن إتقان العربية لا يشترط في تولي المناصب بالمغرب.

وجاء حديث الوزيرة في سياق ردها على أحد الصحفيين في ندوة أعقبت مؤتمرا بالمغرب حول تغير المناخ، حيث قالت "سأجرب الرد بالعربية ولو أنها تسبب لي ارتفاعا في درجة الحرارة".

لكن الحيطي رأت -في تصريح للجزيرة نت- أن ما وقع لم يكن يستدعي هذه الضجة، قائلة "عملي كوزيرة ينحصر في وضع وتنفيذ إستراتيجية الحكومة في حماية البيئة وتحقيق أهداف التنمية المستدامة".

وأقرت الحيطي بعدم إتقانها اللغة العربية، ولكنها قالت إنها تعقد الاجتماعات الميدانية وتتكلم في جلسات البرلمان بالعربية وباللهجة الوطنية من دون عقدة".

وأضافت "بل أسعى لترجمة مصطلحات تقنية في مجال البيئة إلى العربية بمساعدة البرلمانيين أحيانا، فضلا عن كوني ألقي محاضراتي الأكاديمية باللغة العربية".

بوعلي: تصرف الوزيرة غير مسؤول ويأتي في سياق الجرأة على القيم (الجزيرة نت)

حديث عفوي
وقالت الحيطي إنها تجيب الصحفيين باللغة التي يطرحون بها أسئلتهم سواء بالعربية أو بالفرنسية، وأضافت "حديثي عن ارتفاع الحرارة كان عفويا وأقصد به حالتي الصحية، فقد كانت بالفعل حرارتي مرتفعة".

وانتقد رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية فؤاد بوعلي تصرف الوزيرة، وقال إنه "غير مسؤول"، مضيفا للجزيرة نت "بعض السياسيين يجهلون دور المسؤول في تمثل إرادة المواطنين".

وقال إن ما حصل يتزامن مع سياق يشهد فيه المغرب جرأة على القيم والتوافقات المجتمعية.

وشدد بوعلي على أن مثل هذا السلوك يؤدي إلى الاستقالة والمتابعة في الدول الديمقراطية، معتبرا أن ما صدر عن وزيرة البيئة ومسؤولين آخرين "يثبت أننا أمام صنف من المسؤولين يجهز على النص الدستوري الذي يؤكد دور الدولة في حماية اللغة العربية".

وكان وزير التعليم في المغرب هو الآخر قد أصر في ندوة صحفية سابقة على الحديث بالفرنسية مثل وزراء آخرين في مواقف مشابهة.

ويرى بوعلي أن حديث الوزراء بغير لغة بلدهم يكرس الفوضى اللغوية التي يكون الجيل الصاعد في المدارس والجامعات أولى ضحاياها، ويصبح فيه الوزراء "أول من يجهز على الدستور".

عصيد: الجدل بشأن العربية بالمغرب يكتسي طابعا عاطفيا بعيدا عن الواقع (الجزيرة نت)

حماية العربية
ويتطلب هذا الواقع إصدار قانون لحماية اللغة العربية، وإعادة النظر في سبل ترشيح الشخصيات للمسؤولية، ومتابعة كل من يتجرأ على لغة الدولة، وفق بوعلي.

بالمقابل، يرى الكاتب والناشط الحقوقي أحمد عصيد أن الجدل حول العربية بالمغرب يكتسي طابعا عاطفيا بعيدا عن الواقعية.

ويرى أن السبب في هذا الجدل هو أن المدافعين عن العربية لا يتقبلون كون بعض النخب التي لا تتقنها تلقت تكوينا باللغات الأجنبية.

ويضيف المشكل أن إتقان العربية ليس شرطا في تولي مناصب التسيير والتدبير بالمغرب، "ويمكن لأي مسؤول أن يسيّر مؤسسة بشكل جيد من دون حاجة إلى إتقانها".

وِأشار إلى أن المسؤولين في المغرب سرعان ما يقعون في الحرج عندما يطلب منهم إلقاء خطاب أمام الناس بالعربية، حيث يجد الواحد منهم نفسه "في وضعية صعبة لا يخرج منها إلا باستعمال لغة تكوينه التي يتقنها".

ويشير إلى أن التخصصات العلمية المهمة بالمغرب تدرس باللغات الأجنبية في كليات العلوم ومدارس تكوين الأطر، وذلك "ليس لأن العربية مهمشة بل لأن المختصين في هذه اللغة لم يقوموا بتطويرها وتحديث مناهج تدريسها لتكون قادرة على القيام بالوظائف المطلوبة منها، وهذا المسكوت عنه في هذا الموضوع".

المصدر : الجزيرة