تعمل يد الهدم على إزالة مباني بغداد الأثرية والتراثية خاصة في شارع الرشيد الأكثر شهرة بعراقة بنائه ومعالمه، وسط إهمال رسمي وغياب تخطيطي وتشريعي للتعامل مع معالم بغداد القديمة.

علاء يوسف-بغداد

تحوّل شارع الرشيد الواقع وسط بغداد -الذي صمم عام 1916- إلى أطلال بعد أن هدمت نصف مبانيه الأثرية، وتعاني بنايات أخرى فيه من إهمال كبير قد يعرّضها للزوال خلال سنوات.

وينسحب الدمار الذي لحق بالبنية التراثية البغدادية إلى مناطق أخرى من المدينة مثلت خلال العقود السابقة مراكز حضارية مهمة.

ووفقا لإحصاءات حكومية فإن ما تبقى من بيوت بغداد التراثية نحو ستمئة منزل من أصل ألف وثلاثمئة حافظت على نفسها حتى عام 2003.

بناية مهدمة بشارع الرشيد وسط العاصمة العراقية (الجزيرة)

تراث إنساني
وتتركز أغلب هذه البيوت وسط المدينة، وتعود ملكيتها غالبا لشخصيات عراقية شهيرة مثل منزل جواد سليم -صاحب أشهر عمل نحتي وهو "نصب الحرية" الذي سجل ضمن التراث الإنساني لمنظمة اليونسكو العالمية- إضافة إلى بيوت يهود بغداد الذين تركوها مطلع خمسينيات القرن الماضي.

وحاولت الحكومة إعادة إحياء مبان مهمة مثل السراي الحكومي، الذي كانت تشغله إدارة الحكم العثماني نهايات القرن التاسع عشر، إلا أن طريقة الترميم غير المهنية زادت الطين بلّه.

وقال الفنان التشكيلي البغدادي زياد جسّام إن "كل شخص عراقيا كان أو عربيا يعرف شارع الرشيد وتفاصيله لأنه كان مضربا للأمثال من حيث المدنية والعمارة".

وأوضح للجزيرة نت أن شارع الرشيد دمر كما دمرت البيوت التراثية البغدادية، مشيرا إلى أن "التقصير واضح من السلطات المسؤولة، سواء وزارة الثقافة أو مديرية التراث الشعبي أو وزارة السياحة".

جسّام: أطالب الجهات المعنية ببرنامج واضح ودقيق لإنقاذ بيوت بغداد التراثية (الجزيرة)

غياب الجدية
وأضاف جسّام "سمعنا خلال الأعوام الماضية تصريحات كثيرة بشأن إعادة إعمار شارع الرشيد والبيوت البغدادية وغيرها، لكننا لم نلمس أي جدية".

وتابع "أشعر بالألم والحسرة عندما أسافر إلى بلدان أخرى وأشاهد محافظتها على تراثها وحضارتها حتى صارت محطا للأنظار، فعلى المستوى العربي هناك دول احتفظت بأبنية أو شوارع تراثية، وصارت أماكن سياحية علما أنها لا تصل إلى نصف عمر شارع الرشيد".

وطالب الجهات المعنية ببرنامج واضح ودقيق لإنقاذ بيوت بغداد التراثية التي لم يصلها الدمار وإعادة إعمار ما تم تدميره منها.

وعلى الجانب التشريعي، لا يبدو أن الحكومة العراقية مهتمة بالخراب الذي يدمر ذاكرة بغداد، حيث حاولت الجزيرة نت الاستفسار من عضو بلجنة السياحة والآثار في مجلس النواب بشأن التشريعات والقوانين التي من الممكن أن تحد من هدم البيوت التراثيّة، إلا أنه رد بعدم "تفرغه الآن بسبب انضمامه لـالحشد الشعبي لقتال تنظيم الدولة الإسلامية".

وتمنح الحرب التي يشنها العراق على المجموعات المسلحة منذ عام 2003 وحتى الآن حجة للبرلمانيين للتنصل من واجباتهم تجاه تشريع قوانين رئيسة.

الربيعي: البيوت التراثية تسير إلى الهاوية  (الجزيرة)

التراث والفوضى
وبدوره، قال عضو مجلس محافظة بغداد محمد الربيعي إن "هدم البيوت التراثية مستمر ولا توجد إحصائيات جديدة بشأن ما وصل إليه الحال، وكم بقي منها".

وتوقع الربيعي أن يكون "عدد البيوت التي هدمت قد ارتفع في ظل الفوضى السائدة"، وأوضح للجزيرة نت أن "جميع المسؤولين يهملون هذه القضية، وأنه لم تشرّع قوانين رادعة للحد من الهدم ولم توضع خطة للحفاظ على هذه البيوت التي تعد واجهة لبغداد".

وبدا الربيعي -وهو ينحدر من عائلة بغدادية- يائسا من إنقاذ هذه البيوت، وقال "إنها تسير إلى الهاوية".

المصدر : الجزيرة