تعرضت سلطة الرئيس مرسي لهجوم غير مسبوق، فالإعلام جعل شغله الشاغل مهاجمة مرسي واتهامه بالفشل، ووصل الأمر حد الخروج عن المنطق عندما اتهم إعلامي شهير جماعة الإخوان المسلمين بالمسؤولية عن سقوط الأندلس الذي حدث قبل إنشاء الجماعة نفسها بعدة قرون.

أنس زكي

يصف أنصار الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي أحداث 30 يونيو/حزيران 2013 بأنها ثورة شعبية، بينما يصر أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي على وصف ما جرى بأنه انقلاب مدبر، ويغفل الطرفان أن الأمر قد يكون خليطا من هذا وذاك، لكنه مقترن بالكثير مما خفي عمن خرجوا في ذلك اليوم.

كان مرسي يوشك على إكمال عامه الأول في السلطة كأول رئيس منتخب ديمقراطيا في مصر بعد ثورة 25 يناير/كانون الأول 2011 التي أجبرت حسني مبارك على التنحي عن السلطة التي تربع عليها لثلاثة عقود، لكن الأمر لم يكن يسير على ما يرام بالنسبة للرجل الذي يواجه معارضة زاعقة الصوت وإعلاما تكتل ضده على مدار الساعة.

السياسيون تكتلوا في "جبهة الإنقاذ" بقيادة ثلاثية لمحمد البرادعي وحمدين صباحي وعمرو موسى، ولم يألوا جهدا في انتقاد حكم مرسي واتهامه بمحاولة أخونة الدولة، فضلا عن الفشل في إدارتها، ووصل الأمر من بعض القوى السياسية والأذرع الإعلامية حدَّ اتهام الرجل بالتفريط في سيادة مصر عبر التخلي عن جزء من سيناء لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، أو عن حلايب وشلاتين للسودان.

والعسكريون بدورهم بدؤوا في كشف تدريجي لموقفهم المناوئ لمرسي، وظهرت إشارات عديدة على ذلك، كان أبرزها دعوة وزير الدفاع حينها عبد الفتاح السيسي إلى حوار سياسي دون علم الرئاسة. لكن الغريب أن مرسي ومن ورائه جماعة الإخوان المسلمين أظهروا ثقة في قادة الجيش وفي مقدمتهم السيسي حتى النهاية.

والإعلام جعل شغله الشاغل مهاجمة مرسي وانتقاده واتهامه بالفشل، ووصل الأمر حدّ الخروج عن المنطق عندما اتهم إعلامي شهير جماعة الإخوان المسلمين بالمسؤولية عن سقوط الأندلس الذي حدث قبل إنشاء الجماعة نفسها بعدة قرون.

تنسيق وتناغم
كان الأمر يبدو كأن جهة ما تدفع نحو إثارة السخط على السلطة القائمة، وكانت التطورات تشير إلى تناغم يجري بين ساسة وإعلام ورجال أعمال، ومن وراء الستار مؤسسات سيادية كان يفترض أن تساند السلطة القائمة لا أن تعمل ضدها.

أما العمل على الأرض فقامت بمعظمه حركة تمرد التي ظهرت بشكل مفاجئ وتصدرها شبان مغمورون أعلنوا خلال أيام أنهم حصلوا على توقيع آلاف المصريين على عريضة تنتقد الأوضاع السياسية والاقتصادية وتطالب بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة. وخلال أيام تالية بدأ الحديث يتحول سريعا إلى لغة الملايين، فمن مليون توقيع إلى خمسة إلى عشرة، بل وإلى أكثر من عشرين مليون توقيع وفق آخر إعلانات الحركة.

كل من كان يعيش في مصر آنذاك لم يكن يخفى عليه أن "تمرد" تتحرك بقوة ونشاط وسرعة، وتحظى بدعم هائل من قوى سياسية ينتمي معظمها إلى ما عرف بأركان الدولة العميقة التي حاربت ثورة 25 يناير/كانون الثاني منذ قيامها، لكن المنطق الذي لم يعترف به من كانوا في السلطة أن مثل هذا النشاط لم يكن ليمرّ من دون ضوء أخضر على الأقل من جانب العسكر.

أنصار مرسي استبقوا مظاهرات 30 يونيو مؤكدين أن ذلك اليوم سيشهد نهاية التمرد (الجزيرة)

تمرد
وإذا كان حديث الـ23 مليونا يبدو مبالغا فيه ويستحق السخرية من قبل أنصار مرسي كما حدث، فإن نظرة من الجانب الآخر تؤكد أن أعدادا كبيرة فعلا وقعت على تمرد، سواء لعدم رضاها عن الأوضاع أو لتأثرها بحملات على مدار الساعة اشتركت في تنظيمها عشرات الصحف والقنوات التلفزيونية وعرفت كيف تعزف على وتر معاناة المواطن من أزمات معيشية كانقطاع التيار الكهربائي أو غيره.

الغضب كان موجودا فعلا لدى قطاعات عديدة وإن بصورة أقل كثيرا مما عرضه الإعلام، لكن قوى عديدة كانت تريد الدفع به وتصعيده من أجل تحقيق مصلحتها في التخلص من مرسي ونظامه. وللمفارقة فقد ساعدها هذا النظام نفسه، عندما اعتبر الأمر مجرد مؤامرة ستفشل حتما بمجرد أن ينتهي يوم 30 يونيو بمظاهرات محدودة، متجاهلا واقعا يقول بأن الميادين غصّت فعلا سواء بمن خرجوا طواعية أو من أخرجتهم جهة ما.

وفي كل الأحوال، لا يبدو أن المشكلة كانت في 30 يونيو، سواء رآها النظام مؤامرة أو رآها معارضوه انتفاضة شعبية، فحتى في الحالة الأخيرة كان سقف هذه الانتفاضة هو المطالبة بأن يطرح الرئيس نفسه على انتخابات مبكرة، لكن الأزمة الحقيقية هي ما حدث بعد ذلك بثلاثة أيام عندما قطع وزير الدفاع الشك باليقين وخرج لينقلب على رئيسه، وتدخل مصر مرحلة من عدم الاستقرار لا يبدو أنها ستنتهي سريعا.

المصدر : الجزيرة