رمضان الثامن يمر على أهل غزة تحت حصار يحرمهم أبسط مقومات الحياة المدنية، وهي الكهرباء في معظم هذه السنوات، إلا أن تناول الإفطار والسحور على أضواء الشموع معاناة مضاعفة، وكانت الشموع سببا في هلاك عائلات بأكملها حرقا.

أيمن الجرجاوي-غزة

في ظلام دامس اخترقه وميض بعض الشموع الصغيرة، تتحسس الفلسطينية فاطمة حواس (34 عامًا) أدوات مطبخها المتواضع لتحضير طعام السحور بشهر رمضان المبارك، قبيل أذان الفجر.

وبينما تمسك فاطمة، الأم لستة من الأبناء، سكينًا لتقطّع بعضًا من حبات الطماطم والخيار، وتضع ابنتها مريم شرائح البطاطا النيئة داخل قدر من الزيت على النار، يحاول الأب الإمساك بأطفاله الصغار خشية تعرضهم لأذى أو تسببهم به بسبب الشموع.

ويعاني الفلسطينيون في غزة من انقطاع مستمر للتيار الكهربائي، يصل في بعض الأحيان لـ16 ساعة يوميًا، ويضطرون لتناول طعامي الإفطار والسحور في رمضان على الشموع أو أي من وسائل الإضاءة الأخرى يومًا بعد يوم.

وتقول الأم الفلسطينية للجزيرة نت إن عائلتها تعاني الأمرّين في رمضان، لاسيما عند تحضير وجبة السحور جراء انقطاع التيار الكهربائي، ما يدفعها لإيقاد الشموع لتبديد العتمة ولو قليلًا.

فاطمة حواس تُعد طعام السحور على أضواء الشموع (الجزيرة)

نجونا بأعجوبة
ولا تستطيع العائلة، التي تعاني أوضاعًا معيشية قاسية، توفير الشموع كلما احتاجتها "فنحن نحتاج في اليوم الواحد أحيانًا لشراء شمع بأربعة شياكل (دولار واحد) وليس باستطاعتنا ذلك" تقول فاطمة.

وما تزال "اللحظات المرعبة" التي عاشتها العائلة قبل نحو عام ماثلة أمام أعين الأم، حين غلبها النوم قبل أن تطفئ شمعة أضاءتها في الغرفة الوحيدة التي تعيش فيها الأسرة، فتسببت بحريق أتى على أجزاء من الغرفة.

وتضيف "لولا معيّة الله لقضيت أنا وزوجي وأبنائي حرقًا بسبب الشمعة. هبّ الجيران لنجدتنا" وقاموا بإطفاء الحريق "ونجونا بأعجوبة".

وقضى منذ 2007 نحو 120 فلسطينيًا حرقًا أو اختناقًا جراء استعمال الشمع أو مولدات الكهرباء أثناء محاولاتهم التغلب على أزمة الكهرباء، التي مست كلّ بيت بالقطاع المحاصر، وفق إحصاءات رسمية.

وكانت الحادثة الأبشع عام 2013، حين توفي ستة أشخاص من عائلة "ضهير" حرقًا بحي الشجاعية شرق مدينة غزة، هم الأب والأم وأطفالهما الأربعة، إثر اندلاع حريق بمنزلهم بسبب الشمع.

وإن كان قطع التيار الكهربائي يؤثّر بشكل كبير على العائلات في منازلهم، إلا أن تأثيره مضاعف على أصحاب المهن، كما يقول ربّ الأسرة صقر حواس.

ويضيف حواس -الذي يعمل في مهنة الحدادة- للجزيرة نت "لا أستطيع توفير مولد كهربائي لكي أمارس عملي بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة للغاية".

وبسبب أزمة الكهرباء، يتعطلّ الحداد الفلسطيني عن عمله لفترات طويلة، ويضطر أحيانًا للعمل في أوقات وصلها التيار الكهربائي فقط "حتى لو انقلب نهاري إلى ليل وليلي إلى نهار".

عائلة حواس الفلسطينية تستخدم الشموع للإضاءة من أجل تحضير طعام السحور (الجزيرة)

كمية محدودة
وفي السياق، يرجع مصدر بشركة الكهرباء في غزة عدم تمكنهم من توصيل التيار لجميع المنازل ولاسيما وقتي الإفطار والسحور في شهر رمضان للعجز الكبير الذي تعاني الشركة منه "فإذا أردنا أن نوصل التيار لمنطقة وقت السحور فإننا سنضطر لقطعه عن منطقة أخرى".

وتصل الكهرباء في أحسن الأحوال للمنازل لثماني ساعات وصل ومثلها قطع يوميًا وهكذا بالتوالي، وعند إطفاء المحطة بسبب نقص توريد وقودها تقل ساعات الوصل عن ست ساعات باليوم.

وبدأت معاناة غزة مع التيار الكهربائي حينما دمّرت إسرائيل محطة توليد الكهرباء الوحيدة في أعقاب أسر المقاومة الفلسطينية الجندي جلعاد شاليط عام 2006.

ويحتاج القطاع -المحاصر منذ نحو تسع سنوات- لطاقة بقوة نحو أربعمئة ميغاواط من الكهرباء لتوفير احتياجات نحو 1.8 مليون نسمة، ولا يتوفر منها إلا نحو مئتي ميغاواط.

ويعتمد القطاع على ثلاثة مصادر للكهرباء، إذ تمدها إسرائيل بنحو 120 ميغاواطًا، في حين تمدها مصر بنحو 28 ميغاواطًا، وتنتج شركة التوليد بالقطاع نحو ستين ميغاواطًا.

المصدر : الجزيرة