كشف تقرير أمني أن 45% فقط من 17 ألف مسجد بالجزائر يلتزم أئمتها بالمذهب المالكي الذي تدافع عنه السلطات، في حين تسيطر تيارات إسلامية متعددة على باقي مساجد البلاد، الأمر الذي دفع وزير الأوقاف للحديث عن إخضاع المساجد للرقابة.

هشام موفق-الجزائر

أثارت تصريحات لوزير الشؤون الدينية والأوقاف الجزائري بخصوص وضع مساجد تحت الرقابة بسبب "عدم التزام أئمتها المتطوعين بالمرجعية الوطنية للبلاد"، تباينا في الأوساط الدينية.

وفي الوقت الذي تشدد فيه الوزارة على أنها "جدية في التعامل بحزم تجاه هؤلاء"، فإن كثيرين يرون في كلام الوزير محمد عيسى "مجرد تصريحات للاستهلاك الإعلامي ليس إلا".

وقال الوزير إن "55 مسجدا بالجزائر العاصمة وحدها يؤمه سلفيون متطوعون لا يلتزمون بالمرجعية الوطنية هم تحت المراقبة".

ويتقدم العديد من الأئمة المتطوعين لإمامة الناس في الصلوات الخمس، أو لإلقاء خطب الجمعة أو الدروس الوعظية.

وأغلب هؤلاء خريجو الجامعة الجزائرية من غير الملتزمين بالضرورة بالمذهب المالكي المنتشر في البلاد، وغير الموظفين في مؤسسات الوزارة الوصية.

وإلى وقت قريب، كانت المساجد محل صراعات فكرية بين مختلف التيارات سواء تلك الموصوفة بالوسطية، أو المعروفة بالسلفية سواء العلمية أو الجهادية، قبل أن تخف حدتها تدريجيا.

خيار دعا السلطات لأن تنشئ هيئة تمثل جميع التيارات حتى لا يشعر أحد بالإقصاء (الجزيرة)

استغراب وغموض
وقال تقرير أمني إن 45% مسجدا فقط من مجموع 17 ألف مسجد بالبلاد يلتزم أئمتها بالمذهب المالكي التقليدي الذي تدافع عنه السلطات.

وأوضح التقرير، بحسب صحيفة الوطن الناطقة بالفرنسية، أن 20% من المساجد تسيطر عليها السلفية العلمية، و20% تتبع "التيار المالكي الجديد"، و10% بلا توجه، و5% أئمتها من تيار الإخوان المسلمين.

وعلى الرغم من الهجمات المتتالية من الوزارة -في عهد الوزير عيسى أو سابقه- على هذا التيار، فإن قادته بالجزائر وأتباعهم يرفضون الظهور الإعلامي أو الرد.

واستغرب إمام مسجد الأقصى ببئر تونة بالضاحية الجنوبية للعاصمة أبو عبد الله الجزائري (اسم مستعار اختاره لنفسه) تصريحات الوزير، ورأى أنها "غير مبررة".

وأضاف للجزيرة نت "السلفية التي تخشاها الوزارة هي سلفية تدافع عن الوطن وتحافظ عليه وتدعو للحكام وترفض الخروج عنهم، كما أننا ندرّس موطأ الإمام مالك في مسجدنا". وتابع "إذا أصرت الوزارة على منعنا فإننا سنلتزم".

في السياق، قال رئيس اللجنة الدينية لنفس المسجد مصطفى خيار للجزيرة نت إن "كلام الوزير عيسى غامض"، ودعا السلطات إلى أن تنشئ هيئة تكون جميع التيارات الموجودة على الأرض ممثلة فيها "حتى لا يشعر أي طرف بالإقصاء فيجنح للعنف والتطرف".

مونية سليم: نسعى للحفاظ على توحيد الخطاب الديني في المساجد (الجزيرة)

مسؤولية
ووصف عدة فلاحي مستشار الوزير السابق تصريحات الوزير عيسى بـ"الغريبة والعشوائية" كونه هو المسؤول عن انتشار هذا التيار داخل المساجد لما كان مديرا للتوجيه الديني والتدريس القرآني.

وقال للجزيرة نت "لما كنت بالوزارة كنت أشاهد أئمة سلفيين يترددون على مكتب الوزير الحالي، وأستطيع القول إنه كان بينهم تبادل مصالح، الأئمة يقدمون المعلومات وهو يسمح لهم بالنشاط".

لكن هذا التيار شكل ما "يشبه لوبيا تقوى مع مرور الوقت بنفس منهجية التيار اليساري سابقا، وتموقع في عدة مستويات دينية ومالية بالأساس واكتسب خبرة"، وفق فلاحي.

لذلك يضيف المتحدث "لا أرى في كلام الوزير غير أنه موجه للاستهلاك الإعلامي".

لكن مونية سليم المستشارة الإعلامية للوزير تنفي ذلك، وقالت للجزيرة نت إن كلام الوزير ليس للاستهلاك بل نابع من معطيات واقعية.

وأضافت "نسعى من أجل الحفاظ على المنهج الذي تتخذه الوزارة، وهو توحيد الخطاب الديني في المساجد خاصة ذاك الذي يخدم المرجعية الدينية الوطنية".

وشددت على أن "الوزارة إنما تجتهد لحماية المساجد من الانحراف والتطرف، لذلك من لا يلتزم فلن تجدد لهم تراخيص الممارسة".

سياسة
ويرى الكاتب الصحفي المتخصص في الحركات الإسلامية عبد المنعم شيتور أن الأمر لا يتعلق بالحفاظ على المرجعية الوطنية بقدر ما هو استجابة مباشرة من الوزارة لبعض الضغوط الإعلامية ضد توغل التيار السلفي في مساجد العاصمة خاصة.

وتابع للجزيرة نت "هناك جهات رسمية تنظر إلى كل من التيار السلفي السني والتيار الشيعي على أنه تيار ذو طابع سياسي يتغطى بالدين رغم بُعد التيار السلفي المدخلي عن السياسة، إلا أنها لا تستبعد استعماله من بعض الدول".

وهوّنت الكاتب المتخصصة في القضايا الإسلامية غنية قمراوي من القضية، ودعت إلى عدم إعطائها تفسيرا أكثر من حجمها.

لكنها أضافت للجزيرة نت أن "الظرف الحالي من مناخ سياسي وأمني محيط بالجزائر يجعل الوزارة تأخذ مثل هذا الإجراء احتياطا أو استباقا لأي انحراف في الخطاب المسجدي يمكن أن يجر تجاوزات وعنفا مستقبلا".

المصدر : الجزيرة