يأتي رمضان ومعه فضله وبركته، غير أن الفقراء يعانون فيه صعوبة توفير الاحتياجات الأساسية، ويزيدها عناء ما تلقاه من سوء توزيع المساعدات الإنسانية كما في قصة "قفة رمضان" بالجزائر.

ياسين بودهان-الجزائر

عبد الكريم جزائري أب لأربعة أطفال، بالكاد يكفيه دخله الشهري لتلبية احتياجات أسرته الأساسية، وفي أحيان كثيرة يضطر للاستدانة، خاصة أثناء المواسم التي تتضاعف فيها حاجيات أسرته مثل شهر رمضان.

ويقول عبد الكريم الذي يشتغل عامل نظافة بمركز صحي أن دخله الشهري لا يتجاوز مئة دولار، وهي أجرة لا تكفي حتى لتلبية الحد الأدنى من الضروريات، لذلك يجد نفسه في حرج كبير أثناء المواسم خاصة في شهر رمضان.

ورغم استفادته من "قفة رمضان"، يقول إن هذه القفة لا تغطي احتياجاته لأسبوع فضلا عن شهر كامل، ولولا صدقات بعض المحسنين لعانى الأمرّين كما يقول. واعتبر عبد الكريم أن "هذه القفة لا تغني ولا تسمن من جوع"، ورغم ذلك يقول للجزيرة نت "نعاني في سبيل الحصول عليها".

طرود غذائية
و"قفة رمضان" هي عبارة عن طرود غذائية تحوي أهم المواد الاستهلاكية، تصل قيمتها إلى ستة آلاف دينار جزائري (61 دولارا أميركيا). وحسب بيان لرئاسة الجمهورية تحصي الجزائر مليون وسبعمئة ألف محتاج.

ورغم تأكيد وزيرة التضامن مونية مسلم على أن الحكومة اتخذت كل الإجراءات من أجل ضمان وصول المساعدات لأصحابها بأماكن إقامتهم، شهدت العملية تأخرا كبيرا في العديد من البلديات، مما تسبب في فوضى وطوابير طويلة أمام مدخل البلديات، رغم وجود تعليمات من وزارة الداخلية تفرض بتوزيع القفة قبل بداية الشهر.

طريقة التوزيع التي تعتمدها الحكومة تعدها منظمات حقوقية ومدنية ونشطاء شبكات التواصل الاجتماعي "إهدارا لكرامة الفرد الجزائري".

وترفض العديد من الجمعيات التعامل بهذه الآلية لمساعدة المحتاجين، خاصة أن التجربة أثبتت كما يقول البعض وجود عمليات تلاعب واختلاس في قيمة القفة.

وفي صفحته على فيسبوك علق الروائي والسياسي الجزائري عبد العزيز غرمول قائلا "لولا أنني أعرف أن في الجزائر جوعى وفقراء في حاجة إلى لقمة العيش، لقلت إن قفة رمضان إهانة لا مثيل لها للإنسان، حسبنا الله ونعم الوكيل".

جمعية جزائرية توصل المساعدات الرمضانية للمحتاجين بمقر إقامتهم حفظا لكرامتهم (الجزيرة نت)

إهانة للإنسان
ويرد عليه الناشط بوفاتح سبقاق قائلا "فعلا هي إهانة حتى للجوعى، هؤلاء الجوعى لو اعتبِروا مواطنين لتم إيجاد صيغة أخرى أفضل لمساعدتهم كتحسين الخدمات الاجتماعية".

ويعلق عبد الحميد بوحالة بقوله "هي فعلا إهانة في حق المحتاجين والغلابة والفقراء"، ويضيف "أن يتباهى المسؤولون بهذه القفة أمام شاشات التلفزيون على أنهم يفكرون في الغلابة من الشعب، لهي صدقة يتبعها أذى".

وتأكيدا لحالة الفساد التي تشوب عملية توزيع القفاف أكد بوحالة أن أحد رؤساء البلديات -لم يسمها- عرض عليه استلام قفة رغم أنه لا يستحقها.

ويعتبر المكلف بالملفات المختصة على مستوى الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان هواري قدور أن مظاهر الطوابير الطويلة تمس بكرامة الفرد الجزائري، وانتقد في حديثه للجزيرة نت القيمة المالية المخصصة للقفة، وطالب برفعها إلى مئتي دولار كحد أدنى، وكشف بأن عدد الجزائريين الذين يعيشون تحت خط الفقر يتجاوز عشرة ملايين شخص.

ومن أخطر مظاهر الفساد التي طالت هذه العملية التضامنية، حصول بعض المحتاجين على مواد غذائية منتهية الصلاحية، وهي القضية التي أثارت جدلا واسعا بعد رفض المئات من العائلات الجزائرية ببلدية حد الصحاري بولاية الجلفة استلام القفة إثر اكتشاف مواد منتهية الصلاحية، الأمر الذي دفع بوزارتي الداخلية والتضامن إلى فتح تحقيقات لمعرفة ملابسات القضية.

مواد فاسدة
كما دفعت هذه القضية مجموعة من الأئمة بولاية وهران غربي الجزائر العاصمة إلى إطلاق حملة "الأيادي النظيفة" التي تهدف إلى مراقبة شاملة لعمليات التوزيع، والتبليغ عن أية تجاوزات ترصد.

فيلالي: أفضل طريقة هي تسليم قيمة القفة نقدا بإرسالها إلى حساب المحتاج (الجزيرة نت)

وبعيدا عن إعانات الدولة ومشاكلها البيروقراطية، تتسع بالجزائر دائرة الجمعيات الخيرية التطوعية على غرار "ناس الخير"، و"جزائر الخير"، التي تتصدى لمساعدة الفقراء والمحتاجين بالشكل الذي تراه يحفظ كرامتهم.

وفي حديثه للجزيرة نت انتقد أحد مؤسسي جمعية ناس الخير إلياس فيلالي طريقة التوزيع، وهي الطريقة التي قال عنها أنها تهين طالبها، وبرأيه فإن أفضل طريقة هي تسليم قيمة القفة نقدا من خلال إرسالها إلى الحساب البريدي للمحتاج.

ويعتقد فيلالي أن حصول المحتاج على المال أفضل لأنه أدرى بحاجاته، فقد يتحصل على مواد غذائية لا يستهلكها وبالتالي لا يستفيد منها، كما أن هناك فقراء لديهم "عزة النفس" ولا يقبلون أن يهانوا بتلك الطريقة.

وأكد وجود فساد في عمليات التوزيع، موضحا أن هناك منتخبين بالمجالس البلدية يمنحون هذه الإعانة بشكل غير قانوني، حيث يحصل بعض المحتاجين كل يوم على قفة بينما يحرم آخرون حتى من واحدة.

وكشف أن بعض أعضاء البلديات يقسمون الحصة الممنوحة لهم بالتساوي ويوزعونها على أساس الانتماء السياسي، فمن انتخبهم يستفيد، ومن لم ينتخبهم يحرم من القفة.

المصدر : الجزيرة