بعد زهاء عقدين من انسحاب عسكر إندونيسيا مرغمين من المشهد السياسي عندما تنحى الجنرال سوهارتو عن سدة الحكم في مايو/أيار 1998، بدأ الجيش يضطلع شيئاً فشيئاً بمهام مدنية قد تُنذر بانتكاسة للديمقراطية في هذه الدولة الواقعة جنوب شرق آسيا، وربما في المنطقة المضطربة بأسرها.

ويضم الأرخبيل الإندونيسي الشاسع في جنباته أكثر الدول الديمقراطية شباباً واكتظاظاً بالسكان. ووجد هذا الانسحاب ترحاباً من العديد من الإندونيسيين، لا سيما أنه جاء ليطوي صفحات حقبة من حكم سوهارتو الاستبدادي امتدت طيلة 32 عاماً وانتهت بانتفاضة شعبية عام 1998.

وبعد سنوات لاحقة، يرى محللون وقادة عسكريون سابقون أن الدور الدفاعي الوطني للمؤسسة العسكرية لا يحظى حتى الآن بقبول كامل من جانب الضباط أو الجنود.

الآن وقد بدأ الجيش ينسل خلسة إلى مجالات أبعد من الدفاع عن الوطن، فإن الرئيس الحالي جوكو جوكوي ويدودو يعول عليه في تعضيد سلطته في وجه شرطة صعبة المراس وأحزاب سياسية متحالفة مع الرئيسة السابقة ميغاواتي سوكارنوبوتري

وأبرم الجيش اتفاقيات مع وزارات حكومية وشركات مملوكة للدولة تتيح له بموجبها الانخراط في مجالات من قبيل توفير الأمن للمطارات ومحطات المواصلات والسكك الحديدية، ومساعدة الفلاحين في زيادة محاصيلهم.

وقد طالب البعض بانخراط الجيش في جهاز مكافحة الفساد من أجل التصدي لمحاولات الشرطة وحلفائها السياسيين تحييد مؤسسة فعالة ومهابة. 

وإندونيسيا هي الدولة الأكثر ازدحاماً بالسكان، واقتصادها هو الأكبر في منطقة جنوب شرق آسيا. ثم إن مرونة ديمقراطيتها وقدرتها على التكيف أضفى عليها مزيداً من الأهمية، في وقت يجس القادة الصينيون نبض الولايات المتحدة في المنطقة وجمود علاقتها مع تايلند، أحد الحلفاء الرئيسيين لواشنطن في المنطقة. 

غير أن ثمة من يتوجس خيفة من الدور الجديد للجيش الإندونيسي، فهذا الجنرال المتقاعد أغوس ويدجوجو يرى في انخراط الجيش في النواحي المدنية مخاطرة، ذلك أنه "قد يتسبب في إفشال مسيرة الانتقال الديمقراطي" للبلاد. 

ويرى ويدجوجو في هذه الخطوة مواطن ضعف في جانبي المعادلة، فالرئيس جوكوي يفتقر إلى الثقة إذا لم يكن الجيش بجانبه، والعسكر الذين لا يزال الكثيرون منهم "يتشبثون بالماضي عندما كانوا يحظون بدور أكثر شمولاً".

الرئيس جوكو ويدودو ببزة الجيش يصافح أحد رجال الدين الإندونيسيين (رويترز)

الانحياز للجيش
وقد أثار الرئيس جوكوي جدلاً في وقت سابق من الشهر الجاري عندما ظهر في صورة فوتغرافية وهو يرتدي بزة للجيش باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة، بدلاً من ارتدائه زياً عسكرياً محايداً يرمز إلى المؤسسة العسكرية بفروعها الثلاثة: البحرية والقوة الجوية والجيش.

بيد أن خبراء مثل فيدي هاديز من جامعة ميردوخ بمدينة بيرث الأسترالية، يرون أن الخطوة محسوبة بعناية، وأن ارتداء الرئيس لبزة الجيش أراد منها كسبه إلى جانبه.

على أن صورة القوات المسلحة الإندونيسية التي اتسمت بالوحشية فيما مضى، طرأ عليها تحسن منذ انسحاب سوهارتو من المسرح السياسي، حيث تخلت عن اضطلاعها بمسؤولية الأمن الداخلي رغم أن بعض الجوانب ما يزال يكتنفها بعض الغموض. 

ووفقاً لمعهد تحليل سياسات الصراعات ومقره جاكرتا، فإن كفة المؤسسة العسكرية تبدو راجحة إذا ما قورنت بالصورة الباهتة لجهاز الشرطة التي ازدادت سوءاً هذا العام عندما هاجمت وكالة مكافحة الثراء الحرام. 

وقد سنح ذلك للجيش كي يُظهر نفسه في هيئة الكيان النزيه ذي العقلية المدنية المخلصة للرئيس. 

يقول مدير المعهد سيدني جونز إن الجيش "بدأ يتجه نحو المجالات المدنية.. ما في ذلك شك"، لكنه مع ذلك لا يعتقد أنه في طريقه إلى احتلال موقع مركزي في المسرح السياسي، بل بالعكس، فهو ينحو صوب انتزاع مهام الأمن الداخلي -مثل محاربة الإرهاب- من الشرطة، وتأمين مزيد من الفرص لجلب أموال من خارج ميزانية الدولة. 

المصدر : أسوشيتد برس