بعد أن ألغت بعض دول جنوب شرق آسيا عقوبة الإعدام بجرائم المخدرات خلال العقود الماضية، قام البعض منها بإعادة فرضها لمواجهة استفحال خطر هذه التجارة وتأثيرها السلبي على كافة الأصعدة.

كايت مايبيري-كوالالمبور

قبيل هبوط أي طائرة في مطار العاصمة الماليزية كوالالمبور، يطلب طاقم الطائرة من الركاب وضع مقاعدهم في الوضع الرأسي وإغلاق كافة أجهزتهم الإلكترونية كما هو متبع في الرحلات الجوية، إلا أن ما يختلف هنا هو تحذير من على متن الطائرة بالعقوبات الصارمة التي تنتظر كل من يدان بتجارة المخدرات.

وتعتبر ماليزيا واحدة من 13 دولة في العالم تفرض عقوبة الإعدام على مهربي المخدرات، لكن المسؤولين يلمحون إلى احتمال إعادة النظر في هذه العقوبة، وفي هذا السياق قال الوزير الماليزي بول لو أمام ثلاثمئة مندوب حضروا مؤتمرا إقليميا حول عقوبة الإعدام، "حينما يثبت فشل سياسة ما فيجب تغييرها".

وجادل لو بأن عدد الذين يعدمون بسبب مخالفات تتعلق بالمخدرات في ازدياد مستمر، وأن حكومة ماليزيا ملتزمة بتنفيذ عقوبة الإعدام في مثل هذه الجرائم، الأمر الذي يجعل من الصعب عليها المطالبة بتخفيف هذه العقوبة بحق مواطنيها الذين يرتكبون مثل هذه الجرائم في بلدان أخرى.

وفي هذا السياق، يقول محللون قانونيون إن من المهم أن تقوم الحكومات بدور الريادة بشأن استبعاد مثل هذا الشكل من الأحكام.

أما شان وينغ شونغ البروفيسور المشارك من كلية الحقوق في جامعة سنغافورة الوطنية، فيقول للجزيرة "حتى لو كان هناك تأييد شعبي قوي لفرض عقوبة الإعدام، فإن الدول التي تخلت عن هذه العقوبة لم تنتظر سكانها ليقوموا بالتغيير، ولكنها قامت بذلك لأنها رأت أنه من الصحيح القيام بذلك".

إحدى شحنات المخدرات المضبوطة في جنوب آسيا (رويترز)


خلال السنوات العشر الماضية قامت حكومات آسيوية -شأنها شأن بقية حكومات العالم- بإعادة النظر في عقوبة الإعدام، فأقدمت كل من كمبوديا والفلبين وتيمور الشرقية ومنغوليا على إلغاء عقوبة الإعدام، في حين قامت حكومات فيتنام وسنغافورة بمراجعة الوضع القانوني فيما يتعلق باستخدامها، وبالرغم من التقدم الذي أحرز مؤخرا تبقى قارة آسيا الأكثر تنفيذا لحكم الإعدام بحق تجار المخدرات ومروجيها في العالم، ويسجل لتلك الدول تنفيذ أحكام بكبار التجار الذين يكونون من ذوي النفوذ القوي في العادة.

ونظرا لزيادة الإدمان على المخدرات في مواقع كثيرة من جنوب شرق آسيا، قامت بعض الحكومات بإعادة عقوبة الإعدام، بينما ارتفع معدل تنفيذ أحكام الإعدام في دول أخرى.

يقول ريك لاينز المدير التنفيذي لمؤسسة "هارم ريدكشن إنترناشينال" التي تبحث في سياسة المخدرات وعقوبة الإعدام، "إنها سياسة يمكن للحكومات تبنيها أو عدم تبنيها".

ويستطرد قائلا "إن أكبر مثال في هذا العام هو إندونيسيا، وسبق لنا في عام 2012 أن صنفنا إندونيسيا كدولة مقلة في تنفيذ هذه العقوبة، ولكنها أقدمت هذا العام على إعدام 14 شخصا بسبب المخدرات، وهذا ليس تغييرا في الثقافة أو الأعراف والتقاليد ولكنه تغيير في السياسة".

أما الرئيس الإندونيسي جوكو ودودو الذي تولى الرئاسة في العام 2014، فيرى أن أحكام الإعدام ضرورية لإظهار التزام إندونيسيا بمحاربة تجارة المخدرات، وتقريبا فإن كل من نفذ فيهم حكم الإعدام هم من المواطنين الأجانب.

ولكن من جهة أخرى، هناك من يشكك بدوافع التشدد في تنفيذ أحكام الإعدام بحق تجار المخدرات في إندونيسيا، ويرجع الأمر إلى دوافع سياسية.

ويقول ريكي غاناوان مدير مؤسسة "ليمباغا بانتوان ماسياراكات" التي تقدم المساعدة القانونية لمن يواجهون عقوبة الإعدام، إن "هناك كرها متأصلا للمخدرات في صفوف الإندونيسيين، وفي ظل وجود مثل هذه الكراهية من السهل على السياسيين استخدامها وسيلة سياسية للحصول على تعاطف الجمهور".

تقارير الأمم المتحدة تشير إلى ارتفاع زراعة نبات الخشخاش الذي تنتج منه مواد مخدرة (غيتي)

تقول الأمم المتحدة إن المخالفات الخاصة بالمخدرات لا ترقى لمرتبة أكثر الجرائم خطورة، كما أن فرض عقوبة الإعدام في دول مثل ماليزيا يكون مصحوبا بانتقاص حق المتهمين في الحصول على محاكمة عادلة وإجراءات قانونية مناسبة.

أما المعارضون فيتساءلون عن التأثير الرادع لعقوبة الإعدام، فالمثلث الذهبي من ميانمار وتايلاند ولاوس -حيث تلتقي أراضي هذه الدول- ما زال ينتج ربع إنتاج العالم من الهيروين، وزراعة نبات الخشخاش في تزايد مستمر وفقا لما يقوله مكتب الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة، فضلا عن أن جنوب شرق آسيا لا يزال مركزا عالميا لتجارة المخدرات.

يقول جوليان ماكماهون وهو محام أسترالي تعامل مع حالات إعدام في المنطقة، إن "الجريمة المنظمة تحرك المخدرات من خلف الستار".

وقال ماكماهون بخصوص الأستراليين أندرو شان ومايوران سوكومران اللذين كانا من بين من أعدموا في إندونيسيا في شهر أبريل/نيسان الماضي، "من المثير للضحك والسخرية القول إن اعتقال وإعدام أشخاص من تجار المخدرات من المرتبة الدنيا سيكون له تأثير على تجارة المخدرات، إذ سيتم استبدالهم فورا بشباب من على شاكلتهم".

وقامت سنغافورة عام 2012 بتعديل بعض من قوانينها المتعلقة بعقوبة الإعدام، وفي حالات تهريب المخدرات قضت المراجعة بالتخفيف إلى السجن مدى الحياة على من يتعاونون مع السلطات أو أولئك الذين يتحملون مسؤولية بسيطة أو مخففة بدلا من إنزال عقوبة الموت بكل من له صلة بتجارة المخدرات كما كان قبل التعديل.

ويقول لو، إن التغييرات التي أقرتها سنغافورة يمكن أن تعطي لماليزيا نبراسا مفيدا في مراجعة قوانينها.

وأضاف "شاهدنا منذ تعديل القانون، حصول ثلاثة ماليزيين على عقوبة السجن مدى الحياة (بدل الإعدام)".

ويعتقد أن هناك نحو ألف شخص بانتظار تنفيذ عقوبة الإعدام في ماليزيا، نصفهم بسبب مخالفات تتعلق بالمخدرات، علما أن الحكومة الماليزية لا تعطي معلومات عن أعداد من أعدموا أو من هم بانتظار تنفيذ حكم الإعدام.

وبناء على الوعود المتكررة خلال السنوات الماضية، تلح نقابة المحامين الماليزيين -التي ينتمي إليها أكثر من 12 ألف محام- على الحكومة لتوضيح نواياها فيما يخص أحكام الإعدام، علما بأن النقابة تقف ضد هذا النوع من الأحكام.

وفي هذا السياق، يقول ستيفن ثيرو رئيس النقابة "سمعنا بهذا الإعلان لأول مرة عام 2009 وليس باستطاعتنا الحصول على وعود مكررة، فهناك عدد كبير من الناس بانتظار الإعدام مما يترك الكثير من الغموض وعدم اليقين، وهناك الحاجة لأخذ القرار مرة واحدة وإلى الأبد".

المصدر : الجزيرة