يصغرون يوميا أمام إحساسهم بالهوان وإرسال أبنائهم للسؤال واستجداء العطف.. إنهم السوريون الذين قذفتهم أمواج الحرب إلى الجزائر فانقطعت أرزاقهم وتقطعت أوصالهم وباتوا يعيشون توليفة الغربة والفقر والهوان.

هشام موفق-الجزائر

تفترش أم أحمد "كرتونا" بالطريق المحاذي لمركز التسوق والتسلية بباب الزوار شرق العاصمة الجزائر، وقد أرسلت إليه فلذات كبدها ليسألوا الناس في رمضان شهر الخير. وإلى جانب أم أحمد يجلس ابنها الصغير طه مداعبا قطعا نقدية تلقاها من محسنين في وقت ينام بحجرها رضيعها محمد.

وكانت أم أحمد قد فرّت إلى الجزائر من جحيم الحرب الدائرة في بلدها مع زوجها وأبنائها الأربعة، وقد صاروا خمسة قبل 16 يوما.

وتعيش في هذه الظروف وحيدة، فزوجها عاد إلى سوريا لجلب أخيه وأمه المريضة، لكنه لم يستطع العودة بعدما اصطدم بقرار فرض التأشيرة التي لم تكن إجبارية بالنسبة للسوريين القادمين للجزائر قبل ستة أشهر.

تتحدث أم أحمد للجزيرة نت بكثير من المرارة قائلة "أنا أنحدر من ريف دمشق وقد فررت وزوجي وأبنائي منذ أكثر من سبعة أشهر لما اشتد القتال بين الفصائل وقوات النظام، واليوم أواجه مصيري وحدي".

وتتابع "وضعت مولودي الجديد محمد قبل أسبوعين. لم يكن معي زوجي أو أمي أو أحد من أفراد عائلتي ليهنئني. لا تعرف مدى الحرقة التي تعتصر قلبي كلما أكلم أمي بالهاتف وهي تكاد تموت من الحسرة علي".

تغالب أم أحمد دمعها وهي تروي قصتها، وتقول إن أبناءها "يقطعون المركز طولا وعرضا علّهم يظفرون بإحسان الصائمين".

وتضيف أم أحمد -وهي تربت على كتف طه الذي دخل في نوبة بكاء- "صحيح أن الجزائريين ما قصّروا، لكن الأوضاع جد صعبة واضطرتنا للتسول، خاصة أنه عليّ تسديد إيجار البيت قبل منتصف رمضان".

وتعيش العائلات السورية بالجزائر أوضاعا مختلفة، بعضها ميسورة اندمج رجالها في التجارة وبعض الحرف.

مركز إيواء سيدي فرج بغرب العاصمة يضم 50 عائلة سورية (الجزيرة نت)

حرفة التسول
لكن عشرات العوائل لم تجد بدا من التسول لقضاء حوائجها، خاصة مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية وغياب الدخل.

وتنتشر هذه العوائل وأبناؤها في مراكز التسوق أو عند زحمة السير. ويعرض أكثرهم أوراق حمام أو كتيبات دينية للبيع بدل مدّ اليد بشكل مباشر.

وعادة ما تقتسم عائلتان أو أكثر شقة بالأجرة بمعدل 15 ألف دينار (حوالي 145 دولارا) للشهر.

وعلى الرغم من أن الحكومة الجزائرية قدمت تسهيلات لإيواء السوريين ودارسة أبنائهم، فإن العديد منهم يواجهون ظروفا صعبة.

ولا يوجد رقم محدد لعدد العائلات السورية بالجزائر، كما ترفض الجهات المكلفة بإعاشتهم وإقامتهم إعطاء عدد تقريبي لها "لصعوبة ذلك"، حسب التبريرات الرسمية.

وتوجد 50 عائلة سورية في مركز إيواء بمنطقة سيدي فرج بغرب العاصمة الجزائرية، في حين يقيم العزاب في مركزيْن في ضاحيتها الشرقية.

واعتذر الهلال الأحمر الجزائري عن السماح للجزيرة نت بالولوج للمركز لأنه "لا بد من تصريحات من جهات أخرى".

لكن رئيسة الهلال سعيدة بن حبيلس شددت على أن الجزائر تتعامل بإنسانية مع الإخوة السوريين وترفض تطبيق القانون الخاص بالتسول عليهم.

بن حبيلس: نعامل إخوتنا الجزائريين من منطلق ثقافتنا وواجبنا (الجزيرة نت)

حفظ الكرامة
وأضافت للجزيرة نت "دون الحديث عن التوجيهات التي تلقيناها من أعلى سلطات البلاد من أجل حفظ كرامة هؤلاء، فإننا نعامل إخوتنا من منطلق ثقافتنا وواجبنا".

وتابعت "نحرص على ضمان الإقامة والإعاشة والرعاية الطبية لكل السوريين بالمراكز، كما أن الدولة اشترطت وثيقة واحدة فقط للتلاميذ السوريين وهي تصريح شرفي يثبت مستوى الدراسة".

لكن أم أحمد رفضت البقاء في مركز سيدي فرج لأنها شعرت أنها في سجن بعد فرض أوقات للدخول والخروج، و"بعدما منحوني سريرا واحدا لي ولأبنائي الأربعة".

ومنذ دخولها الجزائر، لم يلتحق ولداها غفران وأحمد بمقاعد الدراسة لأن "غفران كانت هي معينتي على الأبناء لما كنت حاملا، وأحمد رفض ذلك اقتداء بأخته".

وتضيف "تعبت، كأغلب السوريات، نفسيا وبدنيا من هذا الوضع ونسأل الله صباح مساء أن يفتح على بلدنا لنعودَ إليه".

المصدر : الجزيرة