بعد عمر طويل في التنوير والتنظير في مجالات السياسة والفكر والدين والتاريخ، ينزوي محمد عمارة عن الأضواء وسط حملات تشويه واسعة واتهامات كيدية عقابا له على موقفه الشرعي والأخلاقي الرافض للانقلاب على إرادة المصريين.

عبد الرحمن محمد-القاهرة

يرى مراقبون أن المفكر الإسلامي المصري الدكتور محمد عمارة قد أُكره على ترك منصبه رئيسا لتحرير مجلة الأزهر رغم نفيه أن يكون أقيل أو أجبر على الاستقالة. وكان عمارة واجه خلال الفترة الماضية حملة تشويه وتحريض من قبل وسائل إعلام محلية على خلفية موقفه الرافض لانقلاب 3 يوليو/تموز 2013.

ومؤخرا أعلنت مصادر كنسية أنه سيتم التحقيق مع الدكتور عمارة على خلفية بلاغ مقدم ضده يتهمه بازدراء الديانة المسيحية.

وحسب عمارة، فإن شيخ الأزهر أحمد الطيب قد قبل استقالته من رئاسة تحرير المجلة التي قدمها للمرة الثانية في الثالث من يونيو/حزيران الماضي، بعد أن رفضت سابقا حين قدمها في سبتمبر/أيلول المنصرم.

وفي حديث للجزيرة نت، شدد عمارة على أنه لم يُقل أو يجبر على الاستقالة، وقال إنه حقق نجاحات كبيرة خلال فترة رئاسته لتحرير المجلة شهد بها الجميع ورأى أن يتفرغ لاستكمال مشروعه الفكري الخاص.

واستبعد المفكر الإسلامي أن يكون الأزهر شريكا في الحملة الموجهة ضده، مشيرا إلى أن أحمد الطيب تحدث إليه حين أثيرت مسألة اتهامه بازدراء المسيحية وأوضح له حقيقة الأمر وتفهمها، "وهو بدوره أوضحها للبابا تواضروس الثاني".

وفي سياق تعقيبه على اتهامه بازدراء المسيحية ووصفها بالديانة "الفاشلة"، نفى عمارة ذلك، وأوضح أن هذا الوصف ورد في كتاب "شهادات غربية" على لسان أحد المستشرقين المعروفين.

عاشور: البلاغ المقدم ضد عمارة يأتي في إطار تهشيم معارضي السلطة (الجزيرة نت)

الإثارة والشحن
وقال عمارة إن دوره في الكتاب لم يتجاوز جمع المادة، "وقد وزع مع عدد أخير للمجلة ونشرته قبل ذلك مكتبة الأسرة التابعة للدولة".

ونفى عمارة أي علم له بإحالته إلى النائب العام للتحقيق معه في هذه القضية، لكنه لم يستبعد أن يكون الأمر برمته يأتي في إطار "الإثارة والشحن" الموجهين إليه من قبل وسائل الإعلام.

وتولى عمارة رئاسة تحرير مجلة الأزهر لمدة أربع سنوات، وله العشرات من المؤلفات في الفكر والتاريخ والفقه الإسلامي والسياسة الشرعية.

وفي أعقاب انقلاب 3 يوليو/تموز 2013 أعلن عمارة من خلال مقطع مصور أن "عزل الرئيس المنتخب محمد مرسي باطل شرعا وقانونا هو وكل ما ترتب عليه".

ومنذ ذلك الحين، شنت وسائل إعلام محلية حملة ضده، وطالبت بمحاكمته وعزله من رئاسة تحرير مجلة الأزهر.

وبالتوازي مع تلك الحملة، مُنع عمارة من كتاباته الدورية في صحف ومجلات مملوكة للدولة أو مقربة منها مثل الأهرام والأخبار ومجلة أكتوبر.

في وقت رأى أستاذ المقاصد الإسلامية بجامعة القاهرة وصفي عاشور أن "البلاغ المقدم ضد عمارة يأتي لتهشيم كل من كان له موقف ضد السلطة القائمة التي لا تؤمن إلا بالرأي الواحد".

جبرائيل: التحقيق سيجري مع عمارة خلال الأيام المقبلة (الجزيرة نت)

حملة ممنهجة
واعتبر في حديث للجزيرة نت أن الموقف من عمارة ليس الأول من نوعه، "فجميع العلماء والمفكرين أصحاب الرأي الحر يواجهون ذات التعسف، ومن ذلك ما حدث مع رئيس مجمع اللغة العربية الدكتور حسن الشافعي الذي أحالته جامعة القاهرة للتحقيق بتهمة الجمع بين وظيفتين".

مدير مكتب اتحاد علماء المسلمين بالقاهرة فتحي أبو الورد يرى أن البلاغ المقدم ضد عمارة من قبل المحامي القبطي نجيب جبرائيل يأتي في إطار "هذه الحملة الممنهجة والمدعومة من قبل النظام الحالي".

وأضاف للجزيرة نت "عمارة رمز من رموز الوسطية والتعقل والتنوير في مصر والعالم الإسلامي، لكن للأسف عند غياب الحريات والعدالة يكون منطق القوة هو السائد، فيُعتدى على قامات كبيرة حقها التكريم والتقدير".

لكن جبرائيل نفى للجزيرة نت أن يكون لبلاغه أي علاقة بأمور أخرى، مشددا على أنه "لا خصومة شخصية له مع عمارة وإنما المسألة تأتي في إطار الحقوق المكفول حمايتها بالقانون".

وفي هذا السياق، يشير جبرائيل إلى أنه وغيره من الأقباط "لا ينكرون أن عمارة من علماء مصر البارزين إلا أن ذلك لا يبرر له الاعتداء والنيل من ديانة أخرى". وقال إنه علم من مكتب النائب العام أن التحقيق سيجري مع عمارة خلال الأيام المقبلة.

المصدر : الجزيرة