منذ أكثر من عقدين تحول عشرات الحواجز والنقاط العسكرية والإغلاقات المفروضة على شوارع وأزقة البلدة القديمة في الخليل دون حصول السكان على حقهم في حرية الحركة، الأمر الذي دفع التجار والسكان للهجرة من البلدة البالغ سكانها نحو ستة آلاف نسمة.

عوض الرجوب-الخليل

بخلاف كثير من مدن العالم، وخاصة في الدول العربية، حيث تصبح الأسواق التقليدية والقديمة قبلة للمتسوقين خلال شهر رمضان، فإن البلدة القديمة في مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية تشكو قلة الزوار وضعف الحركة التجارية.

وتواصل قوات الاحتلال إغلاق مئات المحلات التجارية في شوارع ظلت حيوية حتى منتصف تسعينيات القرن الماضي، إضافة إلى مئات أخرى اضطر أصحابها إلى تركها والانتقال إلى مناطق أخرى تخضع لإدارة السلطة الفلسطينية للاستمرار في أعمالهم التجارية.

ورغم الجهود التي تبذلها جهات رسمية وأهلية وتسكين أكثر من ألف عائلة في بيوت تم ترميمها، فإن الحركة ضعيفة وأغلبها لتجار مقتنيات سياحية وتقتصر على الشارع المؤدي إلى المسجد الإبراهيمي، في وقت يغلب هاجس الخوف على مشاعر الناس بسبب انتشار جيش الاحتلال في محيط خمس بؤر استيطانية مقامة على أملاك الفلسطينيين، حسبما أكد متحدثون من تجار البلدة للجزيرة نت.

فلسطيني أمام محله في البلدة القديمة من الخليل حيث يغيب المتسوقون (الجزيرة نت)

هروب جماعي
يقول الحاج ناصر غلمة إنه عاش وترعرع في البلدة القديمة، لكن تطورات الأحداث، منذ مجزرة المسجد الإبراهيمي التي ارتكبها مستوطن إسرائيلي منتصف رمضان عام 1994، أدت إلى إغلاق المحلات التجارية.

ويوضح أن بعض التجار غادروا البلدة القديمة مضطرين لأن محلاتهم مغلقة بأوامر عسكرية أو بسبب وجود إغلاقات وحواجز عسكرية تحول دون وصولهم إليها، وكثيرون وجدوا في المناطق الأخرى والأسواق الحديثة حيث الاستقرار النسبي فرصا أفضل للتجارة.

ووصف غلمة، الذي يملك محلين من الطراز القديم، النشاط المحدود لحركة الناس في رمضان بأنه زيارات فضولية "لتضييع الوقت" لا يقدم ولا يؤخر في حركة التجارة.

محلات تجارية يغلقها أصحابها لقلة المتسوقين في البلدة القديمة من الخليل (الجزيرة نت)

أما تحسين المحتسب الذي يوجد منذ اثني عشر عاما في محل على طريق المسجد الإبراهيمي، فيوضح أن الأمور تزداد سوءا، مؤكدا ما ذهب إله زميله غلمة من عوامل طاردة للتجار والمتسوقين.

لكنه يضيف أن الجهات الفلسطينية المسؤولة غائبة عن البلدة القديمة ولا تتحمل مسؤوليتها بما يكفي، نافيا ما يشاع عن تخفيضات ودعم للسكان والتجار، ومؤكدا أنهم يدفعون ضريبة أسوة بمناطق أخرى بعيدة عن هيمنة الاحتلال والمستوطنين.

وقرب بوابة عسكرية تؤدي إلى المسجد الإبراهيمي، يناشد بائع الإكسسوارات علاء الحداد المواطنين الفلسطينيين عدم الاستسلام لإجراءات الاحتلال الهادفة لتهويد التراث الحضاري العريق والأحياء القديمة من الخليل، مؤكدا أنه "بالإرادة فقط يمكن كسر حواجز الاحتلال بكافة أشكالها".

من جهته قال بائع التحف والتراث أبو العز الحروب إن إجراءات الاحتلال عقب مجزرة المسجد الإبراهيمي رغم أن الجاني مستوطن وبعد اندلاع انتفاضة الأقصى، ووجود نحو ألفي جندي إسرائيلي في حراسة 350 مستوطنا أو أكثر، كلها عوامل كانت السبب الرئيسي لهجرة البلدة القديمة.

 شوارع البلدة القديمة من الخليل شبه خالية من الزبائن رغم موسم شهر رمضان (الجزيرة نت)

إغلاق وتأهيل
وحسب منسق تجمع شباب ضد الاستيطان عيسى عمرو فإن ما يزيد على 1800 محل تجاري لا تزال مغلقة منذ أكثر من عقدين، 520 منها مغلقة بأوامر عسكرية مباشرة، والباقي من قبل أصحابها بسبب إغلاق الشوارع وصعوبة الوصول لها.

وأضاف أن أكثر من مئة عائق حركي، بينها 20 حاجزا عسكريا مأهولا، حولت البلدة القديمة إلى مدينة أشباح خالية إلا من الحركة المحدودة للصلاة في المسجد الإبراهيمي خلال رمضان.

ووفق "بروتوكول الخليل" عام 1997 تسلمت السلطة الفلسطينية أجزاء من مدينة الخليل أطلق عليها "هـ1" وتشكل 80% من مساحة المدينة ويقطنها نحو 220 ألف نسمة، في حين استمرت السيطرة الإسرائيلية على القسم المتبقي "خـ2" ويقطنه قرابة 45 ألف نسمة، وفيه تقع البلدة القديمة والمسجد الإبراهيمي.

من جهته يقول مدير لجنة إعمار الخليل عماد حمدان إن جهود اللجنة في ترميم وإعمار البيوت والمحلات التجارية أسفرت عن إعادة تسكين قرابة ألف عائلة، لكنه ومع ذلك يؤكد أن الحياة لا يمكن أن تعود إلى طبيعتها دون زوال الاحتلال.

المصدر : الجزيرة