أحد أسباب اعتبار بريطانيا معقلا للديمقراطية هو ترسخ دولة المؤسسات فيها رغم عدم وجود دستور مكتوب، وأن كل ما تحقق كان بفضل وثيقة تفاهم بين الملك والنبلاء تعرف باسم الماغنا كارتا التي يقول البعض إن الحرب على "الإرهاب" نسفتها.

سايمون هوبر-لندن

حاولت الشرطة البريطانية الاثنين الماضي فض "مهرجان للديمقراطية" أقيم في قرية صديقة للبيئة حيث سيجتمع علية القوم من ضمنهم الملكة إليزابيث للاحتفال بمرور ثمانية قرون على توقيع وثيقة الماغنا كارتا.

وقد حرص منظمو الحدث على إقامته على تخوم لندن في موقع يبعد مئات الأمتار فقط عن مكان توقيع الوثيقة الحقيقي عام 1215، والتي يعتبرها الكثيرون رمزا للحرية المدنية ومبدأ المساواة باسم القانون.

يذكر أن بريطانيا ليس بها دستور بالمعنى الحديث حيث ظلت الماغنا كارتا -التي تعني باللاتينية الميثاق الأعظم- طوال القرون الماضية بمثابة دستور ملزم وأصبحت بريطانيا بفضلها من أعمدة الديمقراطية في العالم.

لكن قسما من البريطانيين يرى أن هذه الوثيقة التي قادت البلاد لمناخ ديمقراطي نتج عنه تفوق بريطاني في كافة المجالات، أصبحت مهددة بقيم ومفاهيم جديدة مثل ما تسمى "الحرب على الإرهاب".

لقد شهدنا تآكلا في الحريات خلال السنوات العشر الماضية وحرمنا من العديد من حقوقنا في التجمع والاحتجاج والتظاهر وكذلك حقنا في حرية التعبير والمحاكمة العادلة

وفي هذا السياق قال الناشط البريطاني في مجال حرية تملك الأراضي والبيئة بيتر فونيكس للجزيرة "لقد شهدنا تآكلا في الحريات خلال السنوات العشر الماضية وحرمنا من العديد من حقوقنا في التجمع والاحتجاج والتظاهر وكذلك حقنا في حرية التعبير والمحاكمة العادلة".

واستطرد "لقد سلبت منا حقوقنا في الحرب على الإرهاب وحرمنا من حقوقنا في التجمع، ونحن بحاجة إلى شيء من العدالة، والماغنا كارتا كانت البداية لكل هذا، ولكنا اليوم بحاجة إلى ميثاق حريات جديد".

وقد تضمنت فعاليات الحفل إقامة تمثال من البرونز للملكة بارتفاع أربعة أمتار، إلا أن الناشطة في مجال الديمقراطية ماريا ساندرز وصفت إقامة التمثال في مناسبة لإحياء ذكرى وثيقة حدّت من سلطات العائلة المالكة أصلا بأنها "نفاق".

وقالت ساندرز للجزيرة إن من أسباب إقامة هذا الاحتفال هو الإشارة إلى أن النضال الذي بدأ منذ ثمانمئة عام لم ينته بعد، وعلى الشعب الاستمرار في النضال للحصول على الديمقراطية لأننا لا نمتلكها رغم تحقيقنا بعض المكاسب.

وقد شاهدت الجزيرة موسيقيين وأشخاصا يحملون معدات تقديم الطعام يمنعون من الدخول إلى موقع المهرجان، بينما نشر فيديو على الإنترنت يظهر اعتقال أحد الصحافيين لأنه رفض الامتثال لأمر الشرطة بمغادرة المكان.

وقال ناطق باسم شرطة محلية إن الإجراءات اتخذت بعد وقوع اعتداء وللحؤول دون حدوث اعتداء آخر، وإن الشرطة ستتعامل بحزم لإبعاد من يخطط للحضور.

وقد ادعت الشرطة أن المهرجان تخلله عزف الموسيقى الصاخبة وهناك قلق على السلامة العامة والخشية من إزعاج السكان. إلا أن المنظمين أنكروا ما قالته الشرطة ووصفوا المهرجان بأنه نقاش ديمقراطي مع قليل من الموسيقى حسب البرنامج المعلن.

ويرى فونيكس أن الاحتفال تعرض للقمع، وقال بلهجة تحدٍ "لنا الحق في الاحتجاج والتجمع وإبداء آراءنا. ربما الحكومة غير راضية لكن هذا من صميم الاحتفال بالماغنا كارتا بمفهومها الأصدق، وهذا من حقوق الأفراد ضد الحكومة وعليهم السماح به بدلا من قمعه".

القرية البيئية أقيمت لترسيخ مبدأ الاعتماد الذاتي وتخفيف وتيرة الإعمار الجائر (الجزيرة) 

الحفارون
من جهة أخرى، كان اختيار القرية البيئية في الغابة القريبة من مكان توقيع الماغنا كارتا له معنى محدد في ذهن المنظمين، فمالكو الأرض رفعوا قضية لإخلاء المكان.

المنظمون وسكان القرية الثلاثون يرون أن لهم الحق بالعيش على تلك الأرض وفقا للقانون البريطاني، في إشارة إلى ميثاق الغابات، وهو وثيقة ملحقة بالماغنا كارتا التي وقعت وأقرت عام 1217.

وقد منحت الوثيقة المواطن العادي حق الدخول إلى أراضي الغابات فضلا عن قوانين حقوق الإنسان الأوروبية الحديثة، ووصفوا أنفسهم بالحفارين، وأن قدوتهم مجموعة تحمل نفس الاسم احتلت أراضي عامة خلال الاضطرابات التي تلت الحرب الأهلية في أربعينيات القرن السابع عشر.

ويقول ليوان ديفيس (50 عاما) أحد السكان الأصليين للقرية "نحن لا نقوم بأي عمل غير قانوني، فبموجب القانون البريطاني يحق لنا استخدام الأرض غير المستعملة والجزء غير المستغل من الغابة، وهذا ما قمنا به".

يذكر أن ديفيس وغيره من المؤسسين هم من حركة "احتلوا لندن" التي أقامت معسكرا خارج كاتدرائية سانت بول في عام 2011، كجزء من الاحتجاجات ضد الرأسمالية التي فجرتها حركة "احتلوا وول ستريت" الأميركية.

إعادة النظر

كنت أفكر دائما أنني في إنجلترا، لو كان لدي خمسة جنيهات يوميا يمكنني شراء وجبة ماكدونالدز وأن أطعم نفسي، أما اليوم فقد بت أكثر قناعة بأنني لا أحتاج إلى المال إطلاقا لإعالة نفسي

ويوضح فونيكس أن القرية البيئية ومهرجان الماغنا كارتا يهدفان إلى إطلاق نداء بإعادة النظر في الأنظمة الحالية.

يذكر أن القرية البيئية تسعى لتشجيع استغلال الأراضي المتروكة لإنتاج الطعام وتخفيف آثار العمران الجائر وإعادة النظر في النظام.

وتساءل فونيكس "لماذا نستقدم الطعام من أستراليا ونيوزيلندا بينما يمكن إنتاجه في الحديقة الخلفية للمنزل؟".

أما فيني ابن الثامنة والأربعين والذي يسكن المنطقة منذ 2012 فيقول إنه أسس ذات مرة شركة لتنظيف النوافذ ولكنه أغلقها وانتابه نوع من الرغبة الجامحة في إعادة التفكير بكل شيء.

أمضى سنوات من عمره في السفر حول العالم والعيش مع قبائل بدائية، ووصف ذلك بالقول "في لاوس أو بورما، ترى أناسا لا يملكون أي شيء. كنت أفكر دائما أنني في إنجلترا، لو كان لدي خمسة جنيهات يوميا يمكنني شراء وجبة ماكدونالدز وأن أطعم نفسي، أما اليوم فقد بت أكثر قناعة بأنني لا أحتاج إلى المال إطلاقا لإعالة نفسي".

رغم أن سكان القرية البيئية ما زالوا يأملون بالبقاء فيها، فإنهم يسلمون بأن المستقبل غير مضمون، فالبعض يخطط للتوجه إلى البرتغال لإقامة مبادرة مشابهة على قطعة أرض تم شراؤها هناك، بينما يأمل آخرون أن يأتي لهم ملاك أراض متعاطفون ليعرضوا عليهم قطعة أرض ليطورا أنماط حياة مستدامة فيها.

وكان أورشيد رانيميد قد قال في بيان في وقت سابق من العام إن المقيمين في القرية البيئية محتلون لملك الغير وعليهم تركها.

المصدر : الجزيرة