يبدو أن اعتقال الرجال في سوريا ليس نهاية المعاناة بل بدايتها، فالنظام الذي لا يعترف أساسا بوجود المعتقلين داخل سجونه يحوّل حياة عائلات السجناء إلى جحيم بعد مصادرة منازلهم وأملاكهم.

بنان الحسن-اللاذقية

غصت السورية نادية -زوجة أحد المعتقلين لدى النظام من اللاذقية- حينما كانت تروي كيف أبلغها الأمن بضرورة إخلاء بيتها الذي يملكه زوجها، مؤكدة أنها لا تستطيع إلا تنفيذ أوامر إخلاء منزلها وملاذها الوحيد والتعامل مع واقع التشرد.

تقول نادية التي توحّد حالها مع أكثر من 15 ألف امرأة غيب الاعتقال التعسفي عنهن أزواجهن، بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، إن معاناتها تضاعفت "وكأنه لا يكفيني غياب زوجي وعدم معرفتي مصيره".

وتتابع "لا أملك غير بيتي هذا، اعتقل زوجي عندما كان في طريقه للعمل دون توجيه تهمة له، ومن شاهد الحادثة من الجيران صدفة أخبرني باعتقاله، حاولت الوصول إليه كثيرا من خلال مراجعة فروع الأمن لكن دونما نتيجة، تصلني أخبار غير مؤكدة عن مكانه من معتقلين مفرج عنهم، كما أنه لم يحاكم ولم أجد فرعا أمنيا يعترف به، ولكني أرى في مصادرة المنزل اعترافا ضمنيا بوجود زوجي لديهم".

عناصر الأمن في اللاذقية يطالبون عائلات المعتقلين بإخلاء منازلها والخروج منها (الجزيرة)

الحرية مقابل المنزل
ويوثق ناشطون حقوقيون في اللاذقية عشرات الحالات لاستيلاء الأمن على محلات تجارية ومنازل تخص منشقين ومختفين قسريا بالاعتقال، ويؤكدون أن النظام يمنع أهل المعتقل أو المنشق من استعمال هذه العقارات التي تغلق بالشمع الأحمر ويجرم كل من يحاول الاستفادة منها.

ويحصي المكتب الحقوقي لتنسيقية اللاذقية نحو أربعين منزلا سُلبت من أصحابها معظمها في حي الرمل الجنوبي.

ومع اندلاع الثورة توجه النظام لاستصدار قانون مكافحة الإرهاب ومحاسبة كل من يعتقلهم باسمه بالحجز على أمواله المنقولة وغير المنقولة.

ويعود مصعب -أحد سكان اللاذقية- بالذاكرة إلى لحظات القلق التي مرت عليه وهو ينتظر قرار عنصر الأمن الذي طالبه بأوراق تثبت عدم ملكية والده، المعتقل بسبب مشاركته في المظاهرات ببداية الثورة، لمحلهم الكائن في حي الأشرفية باللاذقية كي لا يستولي عليه.

ويقول "عندما بادرني العنصر بالسؤال لجأت لحيلة ادعاء أن المحل لخالي، لا نستطيع الشكوى لاسترجاع أملاكنا المسلوبة، فكيف تطلب العدل من خصمك؟ لجأنا لبيع المحل بيعا صوريا لأقاربنا".

ولأحمد ابن حي الرمل الجنوبي في اللاذقية واعتقل بسبب مشاركته بالمظاهرات، رواية خاصة عن تعامل الأمن مع أملاك المعتقلين، ويقول إن "منزل العائلة كان ثمن حريته بعد أن ساومه ضابط الأمن عندما كان في معتقله في دمشق ليجد نفسه مضطرا للقبول بعرض الضابط ليحصل على حريته".

الإرهاب والطوارئ
ويعلق المستشار المنشق رضا الصطيف على قانون الإرهاب بأنه قانون مستحدث بديل عن قانون الطوارئ المعمول به سابقا، ويتابع أن ما يقوم به النظام من الاستيلاء على ممتلكات المعتقلين غير قانوني لأن النظام يحجز على ممتلكات أشخاص لا يعترف بوجودهم في سجونه ومعتقلاته، فهم مغيبون قسرا.

ويضيف الصطيف أن الواقع يؤكد أن "من يسجن تغيب حقوقه المدنية كاملة وإن تم الافراج عنه يبتزه عناصر الأمن ببعض ممتلكاته الشخصية التي دخل فيها السجن بينما تبقى ممتلكاته الأخرى من بيت وسيارة أو محل تجاري بعهدة الدولة وتحت تصرفها لانتقال الملكية لها".

ويشير إلى تكرار مثل هذه الحوادث في حمص واللاذقية والغوطة الغربية وحلب حيث أجبر المئات على ترك ممتلكاتهم تحت بند الإرهاب.

المصدر : الجزيرة