لأول مرة عاشت الخرطوم قلقا جديا بشأن القبض على الرئيس البشير وتسليمه للجنائية الدولية بعد أن طالبت المحكمة العليا بجنوب أفريقيا بمنعه من السفر، مما جعل الكثير من السودانيين يلومون وزارة الخارجية على سوء التقدير والتسبب في جرح كبرياء الشعب.

عماد عبد الهادي-الخرطوم

مطالبة المحكمة الجنائية الدولية جنوب أفريقيا بالقبض على الرئيس السوداني عمر البشير تسببت في حالة من القلق لم يسبق لها مثيل في الخرطوم.

وكان البشير وصل لجنوب أفريقيا أمس الأحد للمشاركة في قمة الاتحاد الأفريقي التي تستضيفها جوهانسبرغ وتختتم أعمالها اليوم الاثنين.

وطالبت الجنائية الدولية حكومة جنوب أفريقيا بالقبض على البشير وتسليمه لها بموجب مذكرة توقيف صادرة بحقه عام 2009، بشان ضلوعه في جرائم حرب وإبادة جماعية في إقليم دارفور.

واستجابة لذلك، طالبت المحكمة العليا في جنوب أفريقيا بمنع الرئيس السوداني من السفر لحين النظر في أمره.

لكن السلطات لم تنفذ هذا الأمر لكونها استصدرت قبل عشرة أيام قرارا يمنح الوفود المشاركة في القمة الأفريقية الحصانة الكاملة. وأعلن في وقت سابق من اليوم الاثنين مغادرة البشير جنوب أفريقيا متجها إلى السودان.

وتناولت وسائل التواصل الاجتماعي المطالبة بتوقيف البشير حيث تباينت التعليقات بين مؤيد ورافض، فيما حمل آخرون الدبلوماسية السودانية "ما واجهه الرئيس من أزمة أفقدته الكثير".

وبرغم ما أرسلته وزارة الخارجية من تطمينات للشعب بسلامة موقف البشير، فإن ذلك "لم يمنع اعتبارها المتسبب الأول في إهانة السودان".

واتجهت الخارجية السودانية إلى القول إن ما تناقلته وسائل الإعلام عن تنفيذ طلب المحكمة الجنائية الدولية وتوقيف البشير لم يكن إلا "دعاية إعلامية معروفة المرامي".

وقال وكيل الوزارة  كمال إسماعيل إن "البشير محمي بقرار الاتحاد الأفريقي القاضي بعدم الالتزام بقرارات المحكمة الجنائية الدولية".

واستغلت المعارضة السودانية هذا الموقف بإعلانها تأييد القبض على البشير "تحقيقا للعدالة وإحقاقا للحق".

وذكّرت الحركة الشعبية لتحرير السودان/شمال جنوب أفريقيا بالتزامها بميثاق روما وضرورة اعتقال كل مطلوب للعدالة الدولية.

واعتبرت مشاركة البشير في القمة أكبر تحد أمام القضاء المستقل بجنوب أفريقيا وتاريخ حزب المؤتمر الوطني الأفريقي في مكافحة العنصرية وجرائم الحرب.

شدو: السماح بمغادرة البشير سيدخل جنوب أفريقيا في أزمة سياسية (الجزيرة نت)

انتصار العدالة
بينما أعلن تحالف قوى نداء السودان المعارض دعمه قرار المحكمة الجنائية الدولية ومن بعدها المحكمة العليا في بريتوريا.

ورأى التحالف في بيان تلقت الجزيرة نت نسخة منه أن قرار المحكمة "يعد انتصارا للقضاء الأفريقي والعدالة والقانون في القارة الأفريقية".

وإلى جانب حالة القلق والترقب التي سيطرت على جميع المجالس السودانية، فتحت الأزمة بابا لجدل قد يستمر طويلا بين كثير من الأطراف.

الخبير القانوني شيخ الدين شدو توقع دخول جنوب أفريقيا في أزمة سياسية لاختلاف موقف الحكومة عن القضاء، باعتبار أن القرار جاء تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة مما يستوجب تنفيذه.

ويعتقد أن السماح للبشير بمغادرة جوهانسبرغ سيدخل حكومة جاكوب زوما تحت طائلة المادة 25 من ميثاق الأمم المتحدة كدولة عاصية مما قد يعرضها لمجموعة من العقوبات.

ورأى -في تعليق للجزيرة نت- أن حالة التوتر التي عاشها السودانيون "نتيجة حتمية لعاطفة متأصلة في الشعب السوداني رغم معارضته لسياسات الحكومة".

أما المحلل السياسي تاج السر مكي فتوقع حدوث هزة عنيفة في الوسط السياسي السوداني والجنوب أفريقي على السواء "يمكن أن تترتب عليها أشياء سلبية غاية في الخطورة".

ويقول إن دوافع السودان ومشاركته في القمة رغم علمه بموقف جنوب أفريقيا "أدخلت الخرطوم وجوهانسبرغ في أزمة حقيقية"، مشيرا إلى "سوء تقدير سياسي سوداني لم تحسب عواقبه".

المصدر : الجزيرة