الشرطة والثقافة والموسيقى والفلكلور والإعلام، وسائل توظفها الحكومة الفنلندية لدمج المسلمين في الحياة العامة وتبديد هواجس المجتمع إزاءهم. وفي وفت تشهد عواصم أوروبية مظاهرات ناقمة على الإسلام تحتفي هلسنكي بالتنوع الديني وتشجع المواطنين على فهم معاني القرآن الكريم.

جورج حوراني-هلسنكي

في خطوة غير مألوفة لبى رجل شرطة فنلندي بصحبة أطفاله الأربعة دعوة عائلة مسلمة من أصول صومالية تقطن في ضواحي العاصمة هلسنكي، لتناول الوجبة التقليدية المعروفة بالزوبيان.

تبادلت العائلتان على مائدة العشاء الآراء حول هموم الحياة اليومية للمهاجرين ورياضة كرة القدم وقضايا الإسلاموفوبيا والتطرف وعمل رجال الأمن.

وتأتي هذه الخطوة في إطار سعي الحكومة لتطبيق أنجع طرق التصدي للإسلاموفوبيا، في وقت يزداد الاهتمام لدى أوساط فنلندية عديدة بالثقافة الإسلامية.

ولا يتجاوز عدد مسلمي فنلندا سبعين ألفا. لكن وزارة الداخلية بدأت فعليا تطبيق حزمة من التدابير الاحترازية وفقا لإستراتيجية وطنية شاملة "لمنع التطرف العنفي"، وترمي إلى أن تكون فنلندا الأكثر أمانا بين دول الاتحاد الأوروبي.

وتأتي إستراتيجية منع التطرف العنفي في وقت يشارك حزب اليمين الشعبوي للمرة الأولى في الحكومة الائتلافية الجديدة المحافظة.

مديرة الأمانة العامة لقسم الأمن الداخلي في الوزارة تاريا مانكينين تقول إن هذه الإستراتيجية ترتكز على جميع الأطر القانونية والقضائية والإعلامية والاجتماعية لمنع كل أشكال التطرف عملا بمبدأ الوقاية خير من العلاج.

وتضيف للجزيرة نت "أحد أهدافنا تقوية المعرفة بالتنوع الديني والتشجيع على الاحترام والتفاعل الإيجابي بين مكونات المجتمع".

الطبخ المغربي كان حاضرا في مهرجان أيام الثقافات في هلسنكي (الجزيرة نت)

واعتبرت أن زيادة المعرفة بالدين والثقافة الإسلامية لدى الفنلنديين تساهم في إزالة الصورة النمطية في أذهان البعض.

وتلاحظ مانكينين أن فنلندا تختلف عن دول الجوار المحيطة بحيث لم تستهدفها دعاية كراهية الإسلام، "فالمجتمع المسلم المتنامي في فنلندا يمكن وصفه بالمتجانس والمعتدل".

واستجابت منظمات المجتمع المدني لمبادرة وزارة الداخلية وذلك من خلال "مشروع العلاقات الطيبة" الذي نظم عدة أنشطة متنوعة لمجموعات إثنية ودينية بهدف خلق مساحات من التلاقي.

ومن بين هذه الأنشطة تقديم عروض مسرحية ثقافية ورقصات فولكلورية، كان آخرها تنظيم أيام الثقافات في هلسنكي، وهو حدث استقطب أكثر من مئة ألف زائر، وشمل محطات فنية بينها تعليم الرقص الشرقي والمطبخ العربي.

ومن المقرر تنظيم مباراة ودية في كرة القدم بين فريق من الشرطة الفنلندية وآخر من أصول صومالية، بهدف بناء الثقة وتعزيز الاندماج المجتمعي.

وفي هذا الصدد يمكن فهم الغرض من برنامج "قراءة القرآن" الذي كانت الإذاعة الرسمية أطلقته باللغة الفنلندية قبل فترة.

وعلى الرغم من ارتفاع بعض الأصوات المعارضة للبرنامج بذريعة نشر الإسلام، فقد سارعت العديد من وسائل الإعلام لوضعه في خانة التصدي للإسلاموفوبيا.

ويرى البروفيسور المتخصص في الدراسات الإسلامية والعربية في جامعة هلسنكي ياكو هامين أنتيلا "أنه من المفيد جدا التعرف على القرآن الكريم بصورة كاملة".

وكان البروفيسور أنتيلا شارك إلى جانب إمام الرابطة الإسلامية في هلسنكي أنس حجّار في إعداد وتقديم برنامج قراءة القرآن.

إذاعة فنلندا الرسمية تقدم برنامجا حول معاني القرآن الكريم (الجزيرة نت)


ويوضح في حديث للجزيرة نت أنه من حسنات البرنامج عدم اقتصاره على نصوص غالباً ما يرتكز عليها أهل الفكر الإسلامي المتشدد أو المعادين للإسلام في مجمل نقاشاتهم، حسب تعبيره.

ولا يخفي حقيقة وجود مجموعات صغيرة معادية للإسلام لم تتأطر سياسياً لكن "الوضع أفضل بكثير من بلدان أوروبية أخرى كما أن السياسة التي ينتهجها حزب أقصى اليمين لا يمكن تصنيفها بالمتطرفة".

بدوره، يرى رئيس المجلس الإسلامي أنس حجّار أن البرامج حاجة إعلامية ملحة في خضم التعميم الخاطئ من قبل الإعلام وربط الأحداث التي تجري في الشرق الأوسط بالدين الإسلامي.

وشدد -في حديث للجزيرة نت- على أهمية التفسير الصحيح للآيات القرآنية "بدل تناول آيات في سياقات مأزومة وبطريقة مجتزأة من معناها أو محتواها الكامل التاريخي وأسباب نزولها".

وأكد حجّار وجود إجماع بين الأجهزة الرسمية والخبراء ورجال الدين أنفسهم على ضرورة نشر الوعي لدى المواطن العادي في ما يتعلق بالإسلام.

أما الباحثة المتخصصة بالإرهاب والعنف السياسي بجامعة هلسنكي لينا مالكي، فاعتبرت برنامج قراءة القرآن ضرورة للتكيف مع الواقع الجديد.

وقالت مالكي -في حديث للجزيرة نت- إن خطابات وأنشطة حزب أقصى اليمين ليست موجهة نحو المسلمين بقدر ما تتعلق بإشكاليات المهاجرين والاندماج المجتمعي.

المصدر : الجزيرة