أعلن وزير الشؤون الدينية والأوقاف الجزائري محمد عيسى مؤخرا عن إنشاء مرصد لمكافحة الانحراف المذهبي والتطرف الديني بالجزائر، وقوبل هذا الإعلان بانتقادات قللت من أهميته ومن قدرته على تحقيق الهدف المبتغى منه.

ياسين بودهان-الجزائر

قلل مختصون في شؤون الجماعات الإسلامية بالجزائر من أهمية قرار وزارة الشؤون الدينية والأوقاف إنشاء مرصد لمكافحة التطرف والانحراف المذهبي بالبلاد، ورأى البعض أن العبرة ليست بإنشاء المؤسسات وإنما بتفعيلها، في حين يعتقد آخرون أن مكافحة الظاهرة تكون بتجديد جذري للخطاب الديني.

وكان وزير الشؤون الدينية والأوقاف محمد عيسى أعلن مؤخرا عن موافقة الحكومة على طلب تقدمت به وزارته بشأن إنشاء مرصد لمكافحة الانحراف المذهبي والتطرف الديني بالجزائر، مؤكدا أن هذا الأمر سيتم في القريب العاجل.

وبيّن الوزير أن المرصد سيضم إطارات من وزارته وقطاعات أخرى ذات صلة، وسيتصدى لتحليل ودراسة الظواهر الخاصة بالانحراف المذهبي والتطرف الديني، ويمنع تمرير الفتاوى التي تمس المجتمع الجزائري ووحدته، وحماية المرجعية الجزائرية المرتكزة على المذهب المالكي، من خلال تقديم حلول واقتراحات يراها المرصد مناسبة.

وكشف الوزير عن وجود جهات لم يسمها تستغل مواقع التواصل الاجتماعي ومختلف الفضاءات الثقافية والتربوية لتمرير "أفكار متطرفة".

وتشهد الجزائر حالة من الفوضى في مجال الفتوى بسبب غياب مفت للجمهورية، وفي ظل غياب مرجعية للفتوى تعمل وزارة الأوقاف على مراقبة الخطاب الديني لأكثر من 15 ألف مسجد بالبلاد، خاصة بعد ظهور المد السلفي الذي يهدد حسب البعض مرجعية الجزائريين المرتكزة على مذهب الإمام مالك.

في المقابل تقوم مختلف الأجهزة الأمنية بمراقبة مختلف المواقع وشبكات التواصل الاجتماعي، للحيلولة دون تجنيد جزائريين في صفوف الجماعات المسلحة خاصة تنظيم الدولة الإٍسلامية.

ورغم قيامها بتنصيب مجالس علمية عبر مديرياتها المنتشرة عبر مناطق الجزائر، مكلفة بالإجابة على تساؤلات الجزائريين في الجوانب الشرعية، فإن الانتقادات متواصلة بحق الوزارة التي يحملها البعض مسؤولية انتشار الفكر الديني "المتطرف" داخل المجتمع الجزائري.

فلاحي: المرصد قد يفتح بابا للاضطرابات والسجالات العنيفة (الجزيرة نت)

الطريق الخطأ
في السياق يعتقد الكاتب في الشؤون الإسلامية والمستشار السابق لوزير الشؤون الدينية عدة فلاحي، أن الوزير بإقدامه على تأسيس هذا المرصد يسلك الطريق الخطأ، لأنه يفتح بابا للاضطرابات والسجالات العنيفة التي قد تعيد البلاد لسنوات التسعينيات التي شهدت الجزائر خلالها أعمال عنف أودت بحياة عشرات الآلاف.

ويقول فلاحي للجزيرة نت "ما تراه الوزارة اعتدالا لا تراه وزارة الثقافة كذلك، والعكس بالعكس، والأمر يسري على باقي القطاعات التي يريد الوزير التنسيق معها للقيام بهذه المهمة".

وبرأيه فإن "العبرة ليست في إنشاء وخلق مؤسسات جديدة لمكافحة هذه الظاهرة، لأن الوزارة حاليا تمتلك العديد من المؤسسات التي يمكنها أن تؤدي هذا الدور".

وضرب مثلا بخلية الإعلام التي قال عنها إنها لا تؤدي أي دور، ولم تغط حتى ملتقى دوليا نظمته الوزارة مؤخرا حول الإعلام الديني، وناقش المشاركون ظاهرة الجهاد الإلكتروني، ومدى تأثيرها، ومخاطرها على المجتمع، وسبل مواجهتها، لكن بالنهاية البيان الختامي ومجريات الملتقى على أهميتها لم تنشر على الموقع الإلكتروني للوزارة.

وعاب محدودية الاهتمام بالموقع الإلكتروني للوزارة، وأكد أن بعض الفتاوى ينتظر أصحابها لمدة تتجاوز السنة، دون أن يحصلوا على إجابات بشأنها.

وأشار فلاحي إلى أن المراكز الثقافية التابعة للوزارة والمنتشرة عبر مناطق الجزائر يمكنها أن تؤدي هذا الدور، غير أنه أكد أن هناك إرادة لتعطيل تلك المراكز.

جاب الخير: مكافحة التطرف يمر حتما عبر التجديد الجذري للخطاب الديني (الجزيرة نت)

مصادر التطرف
من جانبه يعتقد الباحث في التصوف سعيد جاب الخير أن مكافحة ظاهرة التطرف تمر حتما عبر التجديد الجذري للخطاب الديني، وتساءل في حديثه للجزيرة نت إن كانت الوزارة على استعداد للتحرك في هذا الاتجاه.

ولخّص جاب الخير أسباب التطرف في ثلاثة مصادر، أولها متعلق بالنص الديني نفسه وتأويلاته، وثانيها مرتبط بخطابات الإسلام السياسي وما يمس بالحركات الإسلامية، والثالث بسياسات الدولة الوطنية منذ الاستقلال.

وفي الوقت الذي يشدد فيه البعض على أن التطرف الديني ما هو إلا رد فعل لتطرف علماني يحاول إقصاء الإسلاميين من المشهد، يعتبر جاب الخير أن هذا الأمر مجرد محاولة لإغراق السمكة في البحر، لأن ما يسمى بالتطرف العلماني برأيه ليس سوى النقد العلمي للنصوص التي يقدسها البعض "بغباء" وبعيدا عن السؤال العلمي النقدي.

المصدر : الجزيرة