تصر قيادة جبهة التحرر الوطني الجزائرية على اعتبار تهنئة رئيس الأركان أحمد قايد صالح للأمين العام للحزب عمار سعداني أمرا برتوكوليا لا يحمل أي أبعاد سياسية، على العكس من قيادات في المعارضة اعتبرت الرسالة مخالفة دستورية، حملت أخطاء أخلاقية وسياسية.

ياسين بودهان-الجزائر

أثارت رسالة تهنئة وجهها رئيس الأركان أحمد قايد صالح للأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني عمار سعداني انتقادات المعارضة، التي اتهمت الجيش بانتهاك الدستور الذي يلزم المؤسسة العسكرية بالحياد وعدم التدخل في الحياة السياسية.

وعبر صالح في رسالته عن سعادته لاختيار سعداني بالإجماع أمينا عاما لحزب جبهة التحرير الوطني، معتبرا أن الحزب "يبقى القوة السياسية الأولى في الجزائر من دون شك، بالنظر إلى رصيده الثوري والتاريخي وقاعدته الشعبية الواسعة".

وتأتي رسالة صالح -الذي يشغل منصب نائب وزير الدفاع أيضا- بعد تلك التي تلقاها سعداني من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في اليوم الأول من المؤتمر العاشر للحزب، رشحه فيها لقيادة الحزب، حيث حصل على تزكية لقيادة الحزب مجددا خلال الخمس سنوات القادمة.

 غرمول: الرسالة لم تكن في مكانها (الجزيرة)

انتهاك الدستور
ورغم إصرار قيادات من حزب جبهة التحرير الوطني على اعتبار الرسالة مجرد إجراء برتوكولي، ولا تحمل أية أبعاد سياسية، وأنها مجرد رسالة تهنئة كتلك التي يتلقاها الحزب من أي مؤسسة في الدولة، فإن الرسالة أثارت انتقادات المعارضة التي اعتبرت أن رئيس الأركان انتهك الدستور بانحيازه لحزب سياسي بعينه.

وفي تصريح مكتوب لوسائل الإعلام -تلقت الجزيرة نت نسخة منه- رصد رئيس الحكومة الأسبق ومنافس بوتفليقة في انتخابات الرئاسة، التي جرت العام الماضي، علي بن فليس ثلاثة أخطاء وصفها بـ"البليغة والتي ارتكبت في آن واحد، وتحمل بعدا أخلاقيا وسياسيا ودستوريا".

ويكمن الخطأ الأخلاقي -حسب بن فليس- "بوضوح تام في تجرؤ الرسالة المعنية بمنح احتكار الوطنية إلى حزب معين"، أما الخطأ السياسي فظهر في "توريط القوات المسلحة في ميدان التنافس السياسي"، وهو الميدان الذي "يخل بقواعده وضوابطه إدخال الجيش فيه بصفة غير مبررة وغير قابلة للتبرير".

أما الخطأ الدستوري فتمثل في تجاهل الرسالة صفة المؤسسة الدستورية التي "يتميز بها الجيش، وتمس من ثمة مباشرة بروح ونص الدستور، الذي تحدده وضوح المهام الوطنية الموكلة إليه".

من جهته أصدر حزب الحرية والعدالة الذي يرأسه وزير الاتصال الأسبق محمد السعيد، بيانا قال فيه إنه "لم يسبق لقيادة المؤسسة العسكرية منذ الاستقلال أن هنأت علانية بهذا الشكل مسؤولا في الحزب أو الدولة على انتخابه أو ترقيته".

واعتبر البيان أن الرسالة لم تكن قط مجرد مجاملة برتوكولية، "بقدر ما كانت رسالة سياسية بامتياز تضمنت موقفا وأملت توجها".

بوحجة: المعارضة أولت الرسالة لخدمة أغراضها السياسية (الجزيرة)

إجراء برتوكولي
بالمقابل، اتهم الناطق الرسمي لحزب جبهة التحرير الوطني سعيد بوحجة المعارضة بمحاولة تأويل محتوى الرسالة خدمة لأغراضها السياسية الضيقة، ونفى أن تكون لرسالة التهنئة أية أبعاد سياسية تتعلق بدعم الجيش لسعداني أو مبايعته.

وأوضح بوحجة -في حديث للجزيرة نت- أن الرسالة تدخل ضمن الإجراءات البروتوكولية العادية، وأن قايد صالح أرسل التهنئة بصفته نائبا لوزير الدفاع، وهذا المنصب سياسي وليس عسكريا، "فهي محسوبة عليه كوزير، ولا تمثل موقف المؤسسة العسكرية كمؤسسة".

الرسالة حسب رئيس حركة المواطنين الأحرار عبد العزيز غرمول تعبر بجلاء عن "انحياز مؤسسة عسكرية هي فوق الأحزاب وكل مؤسسات الدولة لحزب معين".

وردا على بوحجة قال غرمول للجزيرة نت "حتى ولو كانت الرسالة موجهة لسعداني من شخص يحمل منصبا سياسيا ممثلا في نائب وزير الدفاع، إلا أن هذا الشخص نفسه لديه منصب عسكري باعتباره قائدا للأركان".

وأضاف أنه لم يحدث في تاريخ الحياة السياسية بالجزائر أن يوجه شخص في هذا المنصب رسالة مهما كان نوعها لأي حزب من الأحزاب الأخرى.

رسالة من هذا النوع في تقدير غرمول ليست في مكانها وتعكس ما يحدث داخل كواليس النظام، واعتبرها مؤشرا على محاولة إرجاع البلد لعهد الحزب الواحد، وهو التوجه الذي يقول إنه يرفضه بشكل مطلق "لأن البلاد دفعت ثمنا باهظا للخروج منه".

المصدر : الجزيرة