بين العاطفة والعقل تتنوع منطلقات عدم ترحيب أهالي ضحايا الثورة التونسية وحقوقيين تونسيين بقرار الدائرة العسكرية بمحكمة التعقيب إعادة محاكمة المسؤولين السابقين، فهناك من يرى القرار ذرا للرماد في العيون، وهناك من فنّد الأمر قانونيا مشككا في القضاء العسكري.

خميس بن بريك-تونس

لم ينل قرار الدائرة العسكرية بمحكمة التعقيب في تونس إعادة النظر في قضايا ضحايا وجرحى الثورة التونسية، ترحيبا من عائلات الضحايا وأطراف حقوقية، رغم أن القرار يعني إعادة محاكمة المسؤولين السابقين الذين أفرج عنهم عقب أحكام اعتبرت مخففة.

وحسب القانون، فإنّ طعن محكمة التعقيب في الأحكام الاستئنافية التي صدرت في حق عدد من المسؤولين الأمنيين العام الماضي، والتي تراوحت عقوباتها بين ثلاث سنوات سجنا وعدم سماع الدعوى، يؤدي إلى إعادة النظر في الأحكام الاستئنافية بقضاة جدد.

ورحبت المحامية عن عائلات ضحايا وجرحى الثورة ليلى الحداد بهذا القرار، الذي اعتبرته خطوة في الاتجاه الصحيح، و"انتصارا لملف شهداء وجرحى الثورة بدعوى أن الأحكام الصادرة العام الماضي عن محكمة الاستئناف العسكرية كانت جائرة ومُستفزة".

وأضافت أنّ القرار سيعيد قضية ضحايا الثورة إلى نقطة البداية عقب إلغاء الأحكام الاستئنافية الصادرة في 12 أبريل/نيسان 2014، ويعيد الأمل من جديد لإنصاف عائلات الضحايا وإحالة المسؤولين السابقين أمام المحاكم ومنعهم من السفر".

 الصفراوي متخوف من حرمان المحامين من حقهم في الدفاع (الجزيرة)

شكوك ومخاوف
غير أنّ حسن القرامي والد الشهيد أمين الذي سقط برصاص رجال الأمن في أحداث الثورة قال للجزيرة نت إنه "غير متفائل" بهذا القرار، واعتبره "ذراّ للرماد في العيون لإسكات عائلات الضحايا وطي صفحة هذه القضايا نهائيا بإعادة إصدار أحكام مخففة وشكلية".

وأضاف "إن رحلة العذاب الطويلة لعائلات شهداء الثورة أمام المحاكم العسكرية برهنت بأنه لا يمكن الوثوق أبدا في القضاء العسكري، وأن هناك أمورا محسوبة ومدروسة "لتمطيط" تلك المحاكمات وإصدار أحكام مخففة من أجل دفن تلك القضايا نهائيا".

وقال إن الغاية من قرار محكمة التعقيب "هي قطع الطريق أمام المسؤولين الذين وقع الإفراج عنهم بعدم سماع الدعوى وإقرار براءتهم، "حتى لا يتقدموا بشكاوى من أجل الحصول على تعويضات".

ويشاركه عدم التفاؤل أيضا رئيس اللجنة الوطنية المستقلة للعدالة الانتقالية المحامي عمر الصفراوي، موضحا أنّ الطعن في الأحكام الاستئنافية السابقة "جاء استجابة للطعون التي تقدمت بها النيابة العمومية وليس المحامون".

واستغرب من رفض الدائرة العسكرية بمحكمة التعقيب طعون محامي ضحايا وجرحى الثورة وقبول طعون النيابة العمومية "رغم أنها متشابهة"، معربا عن مخاوفه بأن يؤدي ذلك إلى فقدان المحامين صفة الدفاع عن ضحايا وجرحى الثورة بسبب رفض طعونهم.

  الرحموني يشكك في أهلية القضاء العسكري (الجزيرة)
الضمانات غائبة
وقال "أعتقد أن هناك نية لحرمان المحامين من حق الدفاع عن ضحايا وجرحى الثورة، وأخشى أن معاناة أهالي الضحايا لم تنته بعد، فهناك ارتباك على المستوى القضائي في ملف ضحايا النظام السابق الذي لم تقع إحالته على هيئة العدالة الانتقالية".

ورغم أنّ رئيس المرصد التونسي لاستقلال القضاء أحمد الرحموني يرى أنّ إعادة النظر في الأحكام الاستئنافية السابقة التي صدرت في حق المسؤولين السابقين "تمثل خطوة إيجابية في حدّ ذاتها"، فإنه أعرب عن خيبة أمله من بقاء هذه القضايا لدى القضاء العسكري.

وقال "القضاء العسكري بحكم طبيعته وتاريخه وأحكامه بعد الثورة غير مؤهل للنظر في مثل هذه القضايا"، معربا عن استيائه من "تعطل مسار العدالة الانتقالية وتأخر استحداث دوائر قضائية متخصصة لإعادة النظر في هذه القضايا".

وخلص إلى القول "رغم أن نقض الأحكام الاستئنافية السابقة يمثل اعترافا بوجود إخلالات كبيرة في تلك الأحكام التي ترتب عنها صدور عقوبات مخففة أدت إلى احتجاج أهالي الضحايا، فإنه لا توجد ضمانات لإصدار بطاقات إيداع بسجن المسؤولين المفرج عنهم أو منعهم من السفر".

المصدر : الجزيرة