جاء الإعلان عن ميلاد ما سمت نفسها "حركة العقاب الثوري" في مقطع فيديو مدته أربع دقائق ونصف الدقيقة نُشر على موقع يوتيوب في 24 يناير/كانون الثاني 2015 بحلول الذكرى الرابعة لثورة 25 يناير في مصر.

والحركة لم تكن معروفة من قبل، ولم يتضمن بيان "ميلادها" المنشور على يوتيوب أي أسماء لأشخاص أو جهات، وظهر قارئ البيان ملثما لا تظهر ملامحه، حاملا الأوراق التي قرأ منها بيانه بيده، وحمل بندقية كلاشنكوف على كتفه الأيمن، وبجواره شخص آخر ملثم ومسلح مثله، ولم تصدر منه كلمة أو حركة أثناء قراءة البيان.

من هي؟
يصعب على من يشاهد أو يستمع أو يقرأ البيان الصادر عن تلك الحركة تصنيف أصحابها ضمن القوى الثورية أو المعارضة للنظام الحالي، سواء من المشهد، أو اللغة، خاصة أن أصحاب البيان استهلوه بعبارة "باسم الثوار".

وعرفوا أنفسهم باسم "شباب مصر الثورة الرافضين لكل أشكال الظلم والاستبداد واختطاف الوطن وما آلت إليه الثورة في مصر من تمكين لسلطة غاشمة هي امتداد لنظام المخلوع مبارك، أسالت الدماء، وأزهقت الأرواح، وأفقرت الشعب المصري". كما جاء في هذا البيان تأكيد "أننا بعيدون كل البعد عن أي حسابات سياسية، ولن نخضع لأي مساومة، أو ابتزاز، أو إغراء، فليس لنا طريق إلا الطريق الثوري".

وفي فقرة أخرى اعتبر البيان القائمين على تلك الحركة بأنهم "المحرك الرئيسي والوقود الأول المستمر للثورة التي أضاعتها الحسابات السياسية، والبحث عن المكاسب بين الأطراف المختلفة، فأوقعت الوطن من جديد في يد العسكر لتطلق يد القتل في المصريين، ولتصفي الدولة العميقة حساباتها مع كل من شارك في الثورة".

بعد هذا التعريف يمضي البيان في تشخيص الوضع من وجهة نظر الحركة الوليدة، قائلا "إن المشهد السياسي المعقد الذي تعيشه مصر الآن ما هو إلا ارتداد عن المسار الثوري، وتمكين القتلة من حكم مصر، لقتل المزيد والمزيد من الأبرياء، وهو ما يلزمه وضع حد لتلك المجزرة الجماعية التي بدأت منذ 25 يناير 2011، ولم تتوقف حتى الآن مرورا بكافة الأحداث والمجازر التي شهدها الوطن فالفاعل واحد، والمدبر واحد، والمستفيد واحد".

منهج العمل
وترى الحركة حسب ما جاء في بيانها أن الوقت قد حان "للتخلص من النظم الديكتاتورية والقمعية، التي تعمل على وأد الثورة وتوجيه بنادقها إلى صدور الثوار"، وتضيف في فقرة أخرى أن تدشينها جاء "لتكون تأسيسا جديدا للعمل الثوري الجاد والحقيقي لتخليص الوطن من المستبدين.. لقد سئمنا شعارات تكررت مرارا وتكرارا عن سلمية الثورة ضد سلطة مسلحة لا تفهم إلا لغة الرصاص، ولم نجد في العالم أجمع ثورات نجحت إلا إذا امتلكت قوة تحميها".

ويمضى البيان معلنا أن الحركة "شكلت هياكل لحماية الثورة في 15 محافظة". لكنه لم يذكرها، أو يحدد أيا منها بالاسم، لكن الحركة أضافت في بيانها أنها ستكمل هياكلها "لتكون نواة صلبة للثورة لهدم قلاع القهر والظلم وتعاقب كل من تسول له نفسه من الأجهزة المسلحة للدولة أو الأفراد والجماعات المسلحة، الإجهاز على الثورة أو اختطافها".

كما أكد البيان أن الحركة نفذت بالفعل "عددا من العمليات في المحافظات المختلفة". ولم يوضح أيا منها أيضا، مكتفيا بالقول إنه" سيتم الإعلان عنها تباعا"، كما أضاف "دماء الشهداء والمصابين هي أولويتنا في أولى مراحل أعمالنا، فلن ينجو أي مجرم أو سفاح بفعلته ولينتظر القتلة مفاجآت غير متوقعة، فالقصاص قادم ولا صوت يعلو على صوت البندقية في القصاص المشروع في دولة تحولت إلى غابة".

وناشد "كل رافضي إسالة دماء الأبرياء، والحكم الاستبدادي القائم من العاملين بأجهزة الشرطة أو المنتمين لأي كيان مسلح يساند السلطة الحالية أن يتخلوا فورا عن موقعهم"، معتبرا المواجهات مع "تلك المؤسسات والكيانات المسلحة التي سرقت الثورة هي السبيل الوحيد لاستعادة ثورة يناير من جديد"، واختتم بيان الحركة بالتأكيد على أنها "ستستهدف بشكل مباشر كل من تلطخت يداه بالدماء وكل من يستهدف الثورة بالسلاح". 

أولى العمليات
عقب الإعلان عن تدشين الحركة، تداول نشطاء موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك مقطع فيديو منسوبا للحركة يُظهر الملثمين يقودون سيارة ويحملون رشاشًا ويطلقون النيران على كمين للشرطة. وأهدت الحركة العملية إلى روح شيماء الصباغ، العضو بحزب "التحالف الشعبي الاشتراكي" التي قتلت أثناء مشاركتها في مسيرة متجهة إلى ميدان التحرير.
 
وفي يناير/كانون الثاني 2015، أعلنت الحركة المسؤولية عن تفجير 56 عبوة ناسفة، ونصب 12 كمينا لقوات الأمن، بالإضافة إلى اشتباكات مع تلك القوات بالأسلحة الرشاشة بمحافظات عدة، في الذكرى الرابعة لثورة 25 يناير.

وفي مارس/آذار 2015، تبنت الحركة تفجيرات استهدفت برجي كهرباء يغذيان مدينة الإنتاج الإعلامي بالجيزة قرب القاهرة، مما أدى إلى انقطاع الكهرباء عن المدينة وانقطاع بث قنوات تلفزيونية، وأطلقت الحركة على تلك الواقعة اسم "عملية قطع الألسنة".

وفي الثالث من مايو/أيار 2015، أعلنت حركة "العقاب الثوري" مسؤوليتها عن الهجوم على منزل وزير الداخلية المصري الأسبق حبيب العادلي بالشيخ زايد بمدينة السادس من أكتوبر. وقالت في بيان لها إن العملية تأتي "للتأكيد على أن من قتل الثوار لن يفلت من العقاب أيا كان اسمه ومنصبه". ووصفت الحركة كل وزراء الداخلية في مصر بالقتلة، معتبرة الهجوم "تذكيرا للثوار بأن ما انتزع بالقوة لا يسترد إلا بالقوة".

ووجه البيان ما قال إنها "رسالة لجزاري" الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك على منصات القضاء، مهددا "بدنو ساعة القصاص منهم". واختتمت الحركة بيانها بالقول "إلى كل من ظن أن نسرا كاذبا يحميه أو قضاء ينجيه، انتظرونا حيث لا تتوقعون".

وعلى الرغم من تمركز معظم هذه العمليات في القاهرة والإسكندرية، فإن الحركة تبنت العديد من العمليات التي تمت في محافظات أخرى مثل الفيوم، ودمياط، وبني سويف، وبورسعيد، والقليوبية، وسوهاج، وغيرها.

اتهامات
وعلى الرغم من نفي جماعة الإخوان المسلمين صلتها بهذه الحركة، فإن الأصوات المؤيدة للسلطة تصر على تبعيتها لجماعة الإخوان، وتعتبرها "تنظيما خاصا" جديدا يتبع الجماعة، ويرى اللواء محمد نور الدين مساعد وزير الداخلية الأسبق أن تنظيمي "أجناد مصر، والعقاب الثوري" و"جميع هذه التنظيمات تنتمي لجماعة الإخوان، وتعمل لصالحها".

وأشار في تصريحات صحفية إلى اشتراك مصر في "عاصفة الحزم" في اليمن، وقال إن هناك معلومات "بدعم إيران وأجهزتها الاستخباراتية جماعتي أجناد مصر والعقاب الثوري لإرباك المشهد الداخلي بمصر".

ويعتبر آخرون تلك الحركة "أحد التنظيمات العشوائية التي ظهرت في الفترة الأخيرة، وأن حالة النشاط التي تنتابها حاليًّا لن تستمر طويلا، وسوف تستنفد قدراتها مع مرور الوقت، ولن تستطيع البقاء على الساحة طويلا، نظرًا إلى أن أفرادها وغيرها من التنظيمات العشوائية لديهم ما يشبه الطفولة التنظيمية".

المصدر : الجزيرة