إلى ما قبل الحداثة، تعود الحياة في غوطة دمشق المحاصرة حيث تغيب النقود وتتم مقايضة الحطب بالخبز والحليب وحتى الماء. وبينما تذكي حرارة الصيف آلام الجوع والعطش يستحضر السكان معاناتهم القاسية مع زمهرير الشتاء.

علاء الدين عرنوس-ريف دمشق

رحلة عامر الطويلة بين البساتين بـغوطة دمشق الغربية المحاصرة لجمع الحطب باتت جزءاً معتاداً من عمله اليومي على امتداد فصول العام.

يحمّل دراجته الهوائية ما أمكن من الحطب اللازم لأغراض الطبخ لهذا الصيف، أو التدفئة في الشتاء التالي، لمسافةٍ تزيد على ربع يومٍ داخل سجنٍ كبير، حيث يستعيد الناس أكثر الأساليب بدائيةً في الحياة البشرية.

عامر المصاب بالتهاب الكبد الوبائي منذ مطلع العام، يمارس عمله مستخدماً الأدوات الحادة على امتداد يوم طويل تحت أشعة الشمس.

"إن أحداً لم يسلم من أضرار الحصار بشكل أو بآخر". لهذا الواقع يعزو عامر ظروفه الصعبة ويستمر في الاحتطاب تحت شمس مايو/أيار التي تنبئ بصيفٍ حار.

خيارات هذا الشاب العشريني الذي يعيل أسرته بعد موت والده بنيران قناصة الجيش، أصبحت أكثر تكيفاً مع واقعٍ صعب أجبره وغيره على نظامٍ محدد من الادخار والترشيد وإدارة الموارد.

يقول عامر إن أمامهم "خيارات محدودة وموارد شحيحة لكنها ستضمن لأهلنا حياةً بحدودها الدنيا مع حصارٍ قد يستمر طويلاً".

"في الأسبوع الماضي بادلتُ طناً من الحطب بثلاثة كيلوغرامات من السكر، وفي أحيانٍ كثيرة نلجأ للمقايضة بدل البيع والشراء، فالمال لا يعني الكثير لمحاصرين لا يجدون ما يشترونه به".

قسوة الحياة أجبرت البعض على الاحتطاب من أجل توفير لقمة العيش (الجزيرة نت)


يؤمِّن عامر الحطب لعشرات الأسر الأخرى في منطقته مقابل المال أو مقايضته ببعض ما ينقص أسرته من الطعام أو المنظفات أو حتى الماء الذي يُستخرج بواسطة الدلاء من الآبار الجوفية.

في المنزل، غالبا ما يكون الغداء الوجبة الوحيدة للأسرة المحاصرة، ويستهلك إعدادها الجزء الأعظم من وقت الأم، الموزع بين البيت وحقل المزروعات الموسمية الصغير في الجوار.

الهندباء البرية، قد لا تكون وجبة الطعام المفضلة للأسرة المكونة من خمسة أفراد، لكنها الصنف الأكثر توفراً على أي حال، والضروري لأجسادٍ هزيلة اقتصرت وجبتها الوحيدة لأشهرٍ مضت على حساء الأرز مع بعض التوابل.

إلى أن تنضج المحاصيل الصيفية، سيتعين على أم عامر أن تنقل أسبوعياً مترين مكعبين من المياه على أقل تقدير من مسافةً بطول ملعب كرة قدم لسقاية الأثلام المزروعة في الجوار.

وتأمل السيدة أن تجفف أكبر كمية من محصول الصيف لأجلِ الشتاء، وتقول "قبل اختراع الثلاجة كانت والدتي تجفف الباذنجان والكوسا والبندورة، وها نحن نستعيد نفس العادات بعد أن أصبحت الثلاجة عديمة الفائدة مع انقطاع الكهرباء".

جانب من الدمار الذي لحق بالغوطة الشرقية جراء قصف الطيران الحربي (الجزيرة-أرشيف)


تحصل الأسرة على لترين من الحليب مرةً واحدة كل أربعة أو خمسة أيام حسب جدول توزيع بائع الحليب، الذي اقتصرت مزرعته على بقرتين عجفاوين بالكاد توفران خمس الكمية المعتادة قبل استهلاك مخزون الأعلاف.

وتقول أم عامر للجزيرة نت إن "الوضع الراهن لا يشير إلى بوادر فك الحصار عن مئات الأسر، ولا نستطيع الموت جوعاً ونحن ننتظر، لذا كل شخص يكافح بطريقته للتكيف مع واقعٍ صعب يبدو أنه سيستمر طويلاً".

مع حلول المساء، تحظى الأسرة بفرصة اجتماعٍ طويل بعد يوم عمل شاق، ويوزعُ الشاي أو مغلي الكمون المحضر على الحطب مع أولوية أن يحظى الصغار بحصص مضاعفة.

تبدي أم عامر قلقها على صحة أطفالها مع قدوم فصل الصيف وندرة الأدوية، وتلجأ إلى نصائح الكبار في التداوي بالأعشاب.

وبعد حديث طويل عن أجواء الحصار تختم بالقول "كتب الله لنا العيش بسلام رغم أيام سوداء حلت علينا من القصف والجوع.. الحمد لله الذي أطعمنا من جوع وآمنا من خوف".

المصدر : الجزيرة