لم يتظاهر تتار القرم كعادتهم كل عام في ساحة لينين بمدينة سيمفروبل لإحياء ذكرى تهجيرهم على يد السلطات السوفياتية إبان الحرب العالمية الثانية بتهمة الخيانة، فيما سمحت السلطات في أوكرانيا ولأول مرة بإقامة فعاليات لإحياء ذكرى التهجير.

صفوان جولاق-كييف

في سابقة هي الأولى من نوعها منذ انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 حرم تتار شبه جزيرة القرم -التي ضمتها روسيا- من إحياء ذكرى تهجيرهم القسري عن بلادهم الذي نفذته السلطات السوفياتية إبان الحرب العالمية الثانية.

ومنعت سلطات شبه جزيرة القرم تتار الإقليم من إحياء الذكرى الـ71 لتهجيرهم، حيث لم يتظاهروا كعادتهم كل سنة في ساحة لينين وسط مدينة سيمفروبل أمس الإثنين، واقتصرت احتفالاتهم على الدعاء بالمساجد، بينما لجأ بعضهم إلى التجمع في الجبال بعيدا عن الرقابة.

ونشرت السلطات قوات مكافحة الشغب في الساحة وشوارع المدينة الرئيسية تحسبا لأي فعاليات يقيمها التتار لإحياء هذه الذكرى التي لها وقع خاص على نفوسهم، حيث قررت السلطات السوفياتية تهجيرهم عن بلادهم بدعوى الخيانة خلال الحرب العالمية الثانية بقرار من الزعيم جوزيف ستالين.

وأدت تلك الأحداث إلى مقتل وفقدان نحو ثلاثمائة ألف منهم، بسبب ظروف النقل السيئة في عربات الحيوانات إلى دول شرق آسيا ومناطق شمال روسيا.

ويعتبر التتار هذه الحادثة "جريمة إبادة جماعية" لا تزال تداعياتها بادية للعيان، فملايين التتار يعيشون بعيدا عن وطنهم الأم، وأصبح الفقر هو حال معظم من عاد منهم إليه بعد استقلال أوكرانيا، وهم نحو خمسمائة ألف يشكلون نحو خمس إجمالي عدد سكان الإقليم.

 رئيس مجلس شعب تتار القرم المبعد عن الجزيرة رفعت تشوباروف أثناء كلمة له في الاحتفال (الجزيرة)

كييف تحيي الذكرى
في المقابل -وفي تكريس لمظاهر الخلاف بين موسكو وكييف- سمحت السلطات في أوكرانيا ولأول مرة بإقامة فعاليات لإحياء ذكرى التهجير، ووفقا لمراقبين فإن خطوة كييف تكتسب بعدا سياسيا يتجاوز البعد الإنساني، ولا سيما بعد أن ضمت روسيا القرم إلى أراضيها في مارس/آذار من العام الماضي.

وتجمع آلاف التتار والأوكرانيين في ميدان الاستقلال وسط العاصمة كييف، حيث ألقى عدد من كبار المسؤولين والزعماء التتار خطابات أكدوا خلالها على "أوكرانية القرم" ورفض "الاحتلال الروسي".

كما أقيمت عدة فعاليات غنائية وفنية ورياضية في ساحات وحدائق كييف استعرضت جانبا من ثقافة التتار وعاداتهم، وما خلفه التهجير من مآس وتداعيات.

واعتبر الناشط التتري إلفير أن "الأزمة وحدت الأوكرانيين وجعلتهم أقرب وأكثر انفتاحا وحبا في ما بينهم، وهذا أساس لاستعادة القرم آجلا أم عاجلا".

وأوضح في حديث للجزيرة نت أن من مظاهر هذا الأمر دعم الأوكرانيين للنازحين التتار الذين تقدر أعدادهم بنحو 25 ألفا وفق مسؤولين تتار، إضافة إلى مشاركة التتار في العمليات العسكرية ضد الانفصاليين في شرق البلاد ضمن ما تعرف بكتائب القرم.

دقيقة صمت على أرواح ضحايا تتار القرم الذين لقوا حتفهم بسبب التهجير (الجزيرة)

مأساة جديدة
وخيمت مظاهر الحزن على فعاليات إحياء الذكرى في كييف، ووقف المشاركون بالاحتفال دقيقة صمت حدادا على أرواح الضحايا.

وتحدث المسن إبراهيم تتري للجزيرة نت عما جال في خاطره أثناء وقوفه بالميدان يوم أمس، وقال "اليوم منع التتار من إحياء ذكرى التهجير، وهذا لم يفاجئني، لأن روسيا وريثة الاتحاد السوفياتي، وهي أيضا تعتبر التتار أعداء".

وأضاف "أخشى أن تتكرر المأساة بصور أخرى، فالسلطات الروسية تضيق الخناق على التتار حتى تدفعهم للهجرة ببطء"، وتابع "يؤلمني أن العالم وأوكرانيا يكتفيان بعبارات الانتقاد لروسيا، وكأنهما سلما بهذا الواقع الجديد للقرم، في حين أن موسكو فعلت وتفعل ما تريد".

وختم بقوله إنه "لو ووجهت روسيا بحزم في البداية لما وصلت الأوضاع إلى ما هي عليه الآن في القرم، ولا حتى في شرق أوكرانيا".

المصدر : الجزيرة