بينما تنقص الحرب من أطراف البلاد، تنشغل قوى المعارضة السودانية بخلافاتها وطموحاتها، فتتشرذم كياناتها بين يسار ووسط ويمين، مما يؤدي في النهاية إلى تعزيز موقف النظام ويدفع الشارع لليأس من التغيير الهادئ والتسليم بأن المتاح هو حمل السلاح.

عماد عبد الهادي-الخرطوم

الخلافات حول كيفية معارضة النظام ومستقبل البلاد قسمت قوى المعارضة السودانية إلى عدة كيانات متباينة في كثير من رؤاها، بينما واصل حزب المؤتمر الوطني الحاكم الدعوة للحوار السياسي.

وعلى الرغم مما تعلنه عن وجود رؤى مشتركة بين أقطابها، فإن واقع المعارضة يكشف ما لم تبح به من الخلافات العميقة وغياب الثقة والطموحات الزائدة للكثير من قادتها.

ويتهم بعض أحزاب المعارضة بعضها الآخر بالتقرب من الحكومة والسعي للحصول على تسوية من أي نوع معها.

لكن هذه الأحزاب ترد عنها التهمة بالقول إن منتقديها لديهم طموح غير مشروع للسيطرة على المعارضة بكاملها دون أن تكون لهم أهلية ذلك.

وشكلت مجموعة سياسية كيانا جديدا أطلقت عليه اسم "سودان الغد"، مما يهدد "تماسك" المعارضة، وفق مراقبين.

حاوي: توحيد المعارضة لن يتم بشكل تلقائي بل يحتاج لمخاض عسير (الجزيرة نت)

شيع وفرق
وتتوزع قوى المعارضة بين يسار، ويسار متطرف، ويمين، ويمين متطرف، ووسط ليست له القدرة على إقناع تلك الأطراف بالانصهار في بوتقة واحدة "إلى حين إنجاز ما اتفق عليه سابقا"، وهو ذهاب نظام الحكم الحالي.

الحزب الشيوعي والمؤتمر السوداني والبعث العربي وتشكيلات أخرى تتمسك بمركزية تحالف قوى الإجماع الوطني الذي يرفض الحوار مع الحكومة.

أما حزب الأمة القومي بزعامة الصادق المهدي وفصائل الجبهة الثورية فتتمسك بتكتل ميثاق باريس الذي وقع في أغسطس/آب الماضي، ويضع شروطا "قاسية" مسبقة للحوار مع الحكومة.

وفي المقابل، تتوحد أحزاب منبر السلام العادل، والإصلاح الآن، ومجموعة أخرى من المعارضة حول قبول الحوار مع الحكومة وفق شروط مبسطة للوصول إلى تسوية لقضايا البلاد.

ويقف حزب المؤتمر الشعبي ومجموعة أخرى في طريق رابع يقبل الحوار مع الحكومة دون أي شروط مسبقه، بل تخطى ذلك باتهامه أحزابا أخرى بعدم الجدية في معارضتها.

وترى بعض قوى المعارضة أن موقف المؤتمر الشعبي الأخير محاولة منه للعودة إلى صف الموالاة التي غادرها قبل أكثر من 15 عاما.

ويحذر متابعون من يأس يصيب من ينتظرون تغييرا عبر المعارضة، مشيرين إلى أن ذلك ربما يدفع البعض إلى حمل السلاح أسوة بالمتمردين.

ويرى هؤلاء أن توحد المعارضة أو اتفاقها على حد أدنى من العمل المشترك قد يسهم في إيجاد تسوية حقيقية لقضايا البلاد المختلفة.

النور رأى أن المعارضة أصبحت جزءا من أزمة السودان (الجزيرة نت)

تقاطع الأيديولوجيات
أستاذ العلوم السياسية في جامعة بحري حمد عمر حاوي يعتقد أن التغييرات الأساسية في الفكر والممارسة والتوجهات قادت المعارضة إلى ما هي عليه الآن.

لكنه يرى أن المعارضة ستتمكن في النهاية من معالجة تفرقها بما يمكن أن يقود إلى ما يشبه الوحدة بين مكوناتها.

ويرى -في حديث للجزيرة نت- أن توحيد تلك القوى لن يتم بشكل تلقائي، "لكنه يحتاج إلى مخاض عسير"، لافتا إلى ما أسماه تقاطع الأيديولوجيات والأدوار.

لكنه يشير إلى وجود تحديات مصيرية قد تقود المعارضة إلى تكوين "آلية جذب" بعدما أصبحت الساحة أكثر تهيأ لذلك".

غير أن المحلل السياسي النور أحمد النور يشير إلى أن المعارضة منذ بداية عهد الرئيس البشير "لم تتفق إلا على إسقاط النظام".

وتحدث النور عن "أزمة الثقة" بين مكونات المعارضة والطموحات الشخصية لبعض قادتها واختراق الحكومة لها، مما أسهم في إضعافها وتشرذمها، وفق تقديره.

ويعتقد أن المعارضة أصبحت جزءا من أزمة السودان "لعدم فاعليتها"، متوقعا ظهور قوى فاعلة تقنع المواطن بوجود من يحمل همومه بشكل أقوى.

ويتفق مع هذا الطرح أستاذ العلوم السياسية في جامعة أم درمان الإسلامية صلاح الدومة، حيث يقول إن المعارضة لم تنشأ أو تقم على دعامة موحدة، بل "هي مجموعة متناقضات".

ويتوقع نشوء معارضة جديدة من الأغلبية الصامتة "وباحتمالات عدة"، قد تقود إلى ثورة ضد الحكومة والمعارضة الحالية على السواء.

المصدر : الجزيرة