يجسد النازحون لإحدى مدارس محافظة عدن المعاناة الإنسانية لهم ولآلاف آخرين في مثل ظروفهم، وتتعدد القصص الإنسانية مع كل عائلة من العائلات التي تكتظ بها المدرسة بين مقتل أحد الأبناء، وفقدان آخرين، ونقص بضروريات الحياة الرئيسية حتى باتوا يشكون النسيان.

ياسر حسن-عدن

في مدرسة بلقيس بمدينة الشيخ عثمان في محافظة عدن، تجلس السيدة أم محمد عبد العزيز مع أبنائها الستة حزينة لمقتل ابنها الأكبر برصاص قناصة الحوثي بمدينة المعلا مطلع أبريل/نيسان الماضي، الأمر الذي اضطرها للنزوح باحثة عن الأمن لبقية أبنائها.

تقول أم محمد بعد "مقتل ابني واشتداد المواجهات في المعلا خِفت على بقية أبنائي فنزحت إلى الشيخ عثمان وانتهى بنا المقام في هذه المدرسة، التي زادت فيها آلامنا جراء ما نعانيه من ضنك العيش، فالكهرباء منقطعة والمياه غير صالحة للشرب، وننام على البلاط دون أي وسائل إيواء، ونحصل بالكاد على وجبة واحدة في اليوم تتكون فقط من الأرز، وكل يوم يأتي من يسجل أسماءنا لكن لم يصلنا شيء من المعونات من أي جهة".

وأضافت للجزيرة نت "نحن من دون أي مصدر دخل وليس لدينا معيل، فأنا مطلقة ولدي أولاد يتضورون جوعاً دون أن أستطيع أن أحضر لهم شيئاً يأكلونه، ولذلك أناشد المجتمع الدولي ودول الخليج وفاعلي الخير النظر إلينا وتخفيف معاناتنا".

البئر مصدر مياه للشرب والاستحمام (الجزيرة)
وفي المدرسة التي تؤوي 80 أسرة نازحة، لا يزال الشاب محمد جعفر الصغير يبحث عن أمه وشقيقته اللتين فقدهما في المعلا قبل أكثر من أسبوعين عند محاولتهم النزوح.
 
وقال للجزيرة نت "مع اشتداد الاشتباكات قررت النزوح فخرجت أبحث عن سيارة تُقلنا إلى الشيخ عثمان، وعند عودتي لم أجد أمي وشقيقتي في المنزل، فبحثت طويلاً دون جدوى، مما اضطرني للنزوح بمفردي".
 
أما أحمد ناصر النازح من التواهي فيشير إلى بركة الماء المفتوحة التي في وسط المدرسة، قائلا "إن النازحين يشربون ويغتسلون من تلك المياه الملوثة"، مشيراً إلى أن معاناتهم تفاقمت جراء عدم استلامهم رواتبهم الشهرية منذ شهرين، الأمر الذي جعلهم لا يستطيعون تدبر أمورهم معتمدين على القليل الذي يأتيهم من بعض فاعلي الخير.

يبقى اللعب صديقا للأطفال رغم النزوح والمعاناة (الجزيرة)

من جانبه أوضح أحمد طاهر، مشرف النازحين في مدرسة بلقيس، أن المدرسة فتحت أبوابها لاستقبال النازحين من مناطق التواهي والمعلا وخور مكسر منذ أكثر من شهر "دون الحصول على أي دعم من أي جهة ما عدا ما يقدمه بعض التجار وفاعلي الخير، وهو شيء ضئيل جداً لا يكاد يفي بمتطلبات الحياة الرئيسية في ظل غياب الدور الرسمي والمنظمات الإنسانية".

ودعا طاهر إلى ضرورة إنشاء مركز تنسيق وتواصل بين الجهات المختصة في الدولة وبين المنظمات الإنسانية والحقوقية المحلية والدولية، والنزول إلى أماكن وجود النازحين وتلمس احتياجاتهم وتخفيف معاناتهم من خلال توفير كل ما يحتاجونه غذائيا وطبيا.
 
أما الناطق باسم "ائتلاف عدن للإغاثة الشعبية" عدنان الكاف فقال إن عدد النازحين في عدن "بلغ قرابة 500 ألف نسمة، الأمر الذي صعّب مهمة لجان الإغاثة"، مشيراً إلى أن الكثير من الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني ورجال الأعمال قد ساهموا كل بقدر طاقته في إيواء النازحين وتوفير الاحتياجات الضرورية لهم.

أحمد ناصر: مياه الشرب ملوثة والرواتب منقطعة (الجزيرة)
وأكد -في حديث للجزيرة نت- أن تأسيس الائتلاف جاء بغية توحيد وتنسيق كل تلك الجهود، وحتى تصل المساعدات بشكل متساو للجميع، ومع كل ذلك لا تزال المعاناة موجودة، ولولا الجهود الشعبية لكان الوضع أصعب بكثير مما هو عليه الآن، خاصة في ظل غياب الجهود الرسمية التي تكاد تكون معدومة.

وأضاف أن عدن لم تستفد حتى الآن من الهدنة في الجانب الإغاثي رغم أنها المدينة المنكوبة الأولى في البلاد، وأنه منذ بدء الأزمة لم تحصل عدن على أي معونات ما عدا ما وزعته منظمة الغذاء العالمية من قمح بحاجة للطحن فيما المطاحن مغلقة.

من جانبه قال وكيل محافظة عدن نايف البكري إن "الجانب الرسمي بعدن قد قام بجهود جبارة في إيواء النازحين وتوفير احتياجاتهم بالتنسيق مع منظمات محلية ودولية، غير أن تلك الجهود لم تلبِ كل الاحتياجات جراء ازدياد أعداد النازحين خلال الأيام الماضية"، مضيفا أن أول سفينة إغاثة ستصل عدن اليوم الأحد محملة بقرابة أربعة آلاف طن، ستوزع بشكل فوري على أهالي المدينة، متمنياً أن تصل بقية المعونات في القريب العاجل.

المصدر : الجزيرة