من جديد يعود جدل الهوية والاستلاب إلى الواجهة في المغرب، حيث تدفع بعض النخب باتجاه الإعلاء من شأن الفرنسية بالرغم من أن الدستور يحسم الموقف لصالح العربية، مما جعل العديد من الشخصيات العلمية تتوحد لحماية الأمن الثقافي واللغوي للمجتمع.

الحسن أبو يحيى-الرباط

يتواصل الجدل بالمغرب بشأن لغة التدريس في المؤسسات التعليمية، بين جبهة تدافع عن العربية بوصفها اللغة الأولى في الدستور، وأخرى ذات اتجاه فرانكفوني تلاحقها تهمة السعي لجعل الفرنسية لغة رسمية.

وينتظر أن يصدر المجلس الأعلى للتربية والتكوين تقريره الإستراتيجي حول التعليم لحسم هذا الجدل.

لكن أكثر من مائتي شخصية مغربية وقعت "نداء من أجل اللغة العربية" تؤكد وجود إشكاليات تطبع عمل المجلس، "وتحول دون تحقيق إجماع بين أعضائه على مضامين التقرير الذي سيُرفع قريبا إلى الملك".

وترى الشخصيات العلمية والإعلامية التي وقّعت النداء أن "لجوء أعضاء المجلس إلى التصويت للحسم في لغة التدريس بمثابة تهديد للأمن اللغوي والثقافي للمجتمع، وفرض منطق الأغلبية على مستقبله الفكري والتربوي في محاولة لجعل الفرنسية رسمية".

وقال الموقعون على النداء إن تلويح رئيس المجلس عمر عزيمان في ندوة صحفية بإمكانية اللجوء إلى التصويت استهزاء بقيم المغاربة المجتمعية والدستورية، وانقلاب على الدستور، ومحاولة لفرض رؤية أحادية في قضايا تهم مصير المغرب، ورهن مستقبله لنزعات شخصية وأجندات خفية.

ودعوا إلى إلغاء دور المجلس وإنهاء الحاجة إليه في حال عجزه عن الوصول إلى صيغة توافقية بين أعضائه، بدل محاولات "فرض نموذج تربوي مخالف لروح الدستور.

ماء العينين: الدستور المغربي حسم جدل تراتبية اللغات لصالح العربية (الجزيرة نت)

جدل مفتعل
وفي حديث للجزيرة نت، قالت عضو المجلس الأعلى للتعليم آمنة ماء العينين إن جدل لغة التدريس مشكل مفتعل لأن الدستور حسم تراتبية اللغات، "واعتبر العربية رسمية أولى، والأمازيغية لغة رسمية ثانية، وأكد الانفتاح على اللغات الأجنبية الأكثر تداولا".

وتُعارض ماء العينين اعتماد التصويت في اختيار لغة التدريس لأنها مسألة وطنية تفترض توافقا مجتمعيا، قائلة إن "ملك البلاد وجّه المجلس الأعلى للتربية والتكوين إلى استبعاد الاعتبارات الأيديولوجية في هذه المسألة حرصا على روح التوافق الوطني، وهو ما يستلزم تنازلات واحترام كل وجهات النظر".

وعلى صعيد آخر، قالت ماء العينين إن المجتمع المغربي تخترقه تيارات مستلبة بالنموذج الفرنسي. واتّهمت الذين يسعون إلى تعددية لغات التدريس بالمغرب باستهداف العربية كلغة للهوية والعلم والتنمية، ودعت إلى التفكير في حلّ آخر غير التصويت إذا ما استحال التوافق.

وانتقد رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية فؤاد بوعلي اللجوء إلى آلية التصويت، وقال إن اعتمادها يكون في المؤسسات التمثيلية المنتخبة وليس في المجالس المعينة.

بوعلي انتقد توجه النخب الفكرية لجعل الفرنسية لغة رسمية (الجزيرة نت)

فرض الفرنسية
واعتبر أن هذا التوجه قفز على الخلافات وعجز عن التوافق على مرتكزات واضحة للسياسة التعليمية، "بُغية فرض الفرنسية باسم الديمقراطية في مجلس يسيطر عليه اللوبي الفرانكفوني".

وأوضح أن اختيار أعضاء المجلس الذين عيّنهم الملك قبل عام "لم يكن بناء على خبرات تربوية أو اجتماعية كما هو معمول به في مجالس الحكامة عالميا، وإنما بناء على ولاءات إيديولوجية ونفعية فتحت المجال لأسماء شعبوية وغير مسؤولة ولا تمثل إلا نفسها".

وقال إن أي قرار أو تقرير يصدر عن المجلس بطريقة التفافية على النص الدستوري لا يمثل إلا واضعيه.

وقد اتصلت الجزيرة نت ببعض أعضاء المجلس المحسوبين على التيار المؤيد لاعتماد الفرنسية لغة للتدريس، لكنهم رفضوا الحديث بدعوى أن "واجب التحفظ" يمنعهم من الكشف عن مضمون ما يجري تداوله.

ويعتبر المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي هيئة استشارية مكلفة بالتفكير الإستراتيجي في قضايا التعليم والبحث العلمي وتنوير أصحاب القرار والرأي العام بواسطة التقييمات الكمية والنوعية التي تنجزها.

المصدر : الجزيرة