إلى حقبة ما قبل الثورة، يعود واقع الصحف بمصر حيث تسبّح بحمد السيسي وتقدسه كل صباح، فيما يبرر الخروج عن هذا السياق مصادرة الأعداد وحذف المقالات، وسط محنة تعيشها بعض الصحف جراء وقوفها مع رجال الأعمال في صراعهم مع النظام.

دعاء عبد اللطيف-القاهرة

باتت أخبار مصادرة مقالات الكتاب المعارضين وأعداد الصحف التي تتناول ما يزعج النظام في مصر أمرا عاديا لمتابعي مستوى الحريات الإعلامية في البلاد.

وآخر مشاهد انتهاك حرية الصحافة بمصر كان بحق صحيفة "الوطن" المقربة من السلطة، والتي صُودر عددها السنوي لنشره ملفا عن جهات أقوى من الرئيس عبد الفتاح السيسي ومقالا ينتقد قمع الحريات الصحفية.

وحمل ملف الوطن عنوان "7 أقوى من السيسي"، كما تضمن العدد مقال "الضابط ابن القصر يكتب" لمدير تحرير الجريدة علاء الغطريفي.

وأشارت مصادر داخل صحيفة الوطن إلى مصادرة العدد بعد طباعة 48 ألف نسخة منه وتم تمزيق جميع النسخ، ثم أعيد طباعته بعنوان آخر للملف يحمل اسم: "7 أقوى من الإصلاح"، مع حذف مقال الغطريفي.

وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورا لعدد الوطن قبل وبعد تغيير اسم الملف، في وقت لم تصدر أية تصريحات رسمية عن صحيفة الوطن بشأن تمزيق نسخها.

‏واكتفى الكاتب علاء الغطريفي بالتعليق على حسابه على فيسبوك قائلا "هذه بلاد لن يصلح حالها أبدا.. واليوم دليل جديد على أننا لم نبرح المكان".

وأضاف "نحن ما زلنا في 24 يناير/كانون الثاني 2011. لا تدعه يفكر.. لا تدعه ينشر.. لا تدعه يتحرر.. فقط امنع واقمع وافرم".

وتشير تعليقات الغطريفي إلى أن مناخ الحريات في عهد السيسي لا يختلف عنه قبل ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 التي أطاحت بالرئيس حسني مبارك.

الوطن أجبرت على تغيير اسم ملف نشرته مؤخرا بعد مصادرة عددها (الجزيرة نت)

سحب وحذف
ولصحيفة الوطن سوابق في مصادرة أعدادها، فاضطرت لسحب 40 ألف نسخة من عدد يوم 6 فبراير/شباط 2014 لنشرها خبرا عن الذمة المالية للسيسي حينما كان وزيرا للدفاع، وقدرت ثروته في الخبر بـ30 مليون جنيه.

وتمت مصادرة عدد 11 مارس/آذار الماضي لاحتوائه على تحقيق من صفحتين عن تهرب 13 جهة سيادية من دفع الضرائب.

وعانت الكثير من الصحف الأخرى من المصادرة، فسحبت جميع نسخ صحيفة "المصري اليوم" يوم 2 أكتوبر/تشرين الأول 2014 بسبب حوار مع مدير المخابرات السابق اللواء رفعت جبريل بدعوى ورود معلومات بالحوار تمس الأمن القومي.

وأوقفت مطابع مؤسسة الأهرام عدد 13 ديسمبر/كانون الأول 2014 لصحيفة "المصريون" بعد أن أبدت جهة سيادية اعتراضها على موضوعات بداخله من بينها مقال رئيس التحرير جمال سلطان بحسب ما ذكره موقع الجريدة.

كما تم وقف طباعة عدد يوم 4 مارس/آذار 2014 من صحيفة "الوادي" لتضمنه ملفًا عن دور المجلس العسكري في اقتحام مقرات أمن الدولة.

الهتيمي: مصادرة الصحف تعكس وجود صراع خفي بين أجنحة السلطة (الجزيرة نت)

جرأة مفتعلة
رئيس المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي مصطفى الخضري ربط بين ما حدث لجريدة الوطن "التي تعد أداة إعلامية معاونة للسلطة في فترة ما واقتراب سقوط النظام".

وأرجع الخضري جرأة "الوطن" في إصدار ملف يُظهر ضعف السيسي أمام جهات أخرى إلى تلقي أوامر من ملاكها رجال الأعمال الراغبين في إسقاط النظام لأن هيمنته على اقتصاد البلاد لا تتفق مع مصالحهم.

وقال إن الوطن ووسائل إعلام أخرى على شاكلتها تقف إلى جانب ملاكها ضد النظام "في معركة تقسيم مصر بينهم"، وتبحث أيضا عن ورقة توت "تغطي سوأتها الإعلامية عبر ادعاء المهنية".

أما تدخل السلطة السافر في الإعلام فهو شيء طبيعي في ظل نظام فاشي يسعى لسحق مواطنيه من دون أن يصدر عنهم صوت، وفقا للخضري.

ومن جهته، قال الكاتب الصحفي أسامة الهتيمي إن تكرار مصادرة الصحف له عدة دلالات منها وجود صراع خفي بين بعض أجنحة السلطة التي تستخدم وسائل الإعلام وسيلة ضغط.

ورجّح للجزيرة نت أن تكون مصادرة أعداد الوطن بمثابة رسالة لجميع وسائل الإعلام مفادها حظر تجاوز الخطوط الحمر بشأن بعض أجهزة الدولة.

وتوقع الكاتب الصحفي أن تشهد المرحلة المقبلة حراكا فيما يخص حرية الرأي والتعبير، موضحا أن العديد من الأقلام الصحفية لن تروق لها استعادة دولة مبارك.

المصدر : الجزيرة