لا تقاس علاقات الصين المتوترة مع الهند بعلاقاتها الحميمة مع باكستان العدو التقليدي للهند، لكنها المصالح التي تجعل التنين الصيني وجاره الهندي يرحّلان خلافاتهما حتى إشعار آخر، تجسد ذلك في زيارة رئيس الوزراء الهندي التي بدأها للصين.

عزت شحرور-بكين

استهل رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي أول زيارة رسمية له إلى الصين من عاصمتها التاريخية القديمة شي آن في بادرة نادرة للتقاليد الدبلوماسية الصينية التي عادة ما تستقبل ضيوفها في بكين، لكنها فسرت بأنها تحمل في طياتها رمزية شخصية وتاريخية وثقافية.

فالمدينة هي عاصمة مقاطعة شانشي مسقط رأس الرئيس الصيني شي جين بينغ الذي سبق وحل ضيفا على مودي في مسقط رأسه بمدينة غوجرات الهندية في أيلول/سبتمبر الماضي، وأراد المضيف على ما يبدو أن يبادل ضيفه بسلوك مماثل.

والأهم هو الرمزية الثقافية والتاريخية التي تتمتع بها المدينة القديمة باعتبارها كانت مركزا للتبادلات الثقافية والدينية بين الحضارتين القديمتين قبل أكثر من ألف عام، حيث معبد سآن مهد انتشار البوذية في الصين على يد الراهب البوذي شوان زانغ صاحب الرواية الأسطورية الأكثر شهرة في الصين "رحلة إلى الغرب" والذي ذهب إلى الهند لتعلم البوذية في رحلة استغرقت 17 عاما ليعود بعدها محملا بـ657 من النصوص السنسكريتية ترجمها إلى اللغة الصينية وكانت السبب في انتشار البوذية في البلاد.
 
وتهدف الزيارة إلى تعزيز العلاقات الثقافية والاقتصادية بين الجارين الآسيويين العملاقين ووضع الخلافات بينهما جانبا إلى حين أن تنضج ظروف حلها، حيث يتنازع الجانبان على مناطق حدودية بينهما تصل مساحتها إلى أكثر من أربعين ألف كيلومتر مربع ظلت عائقا أمام تقاربهما منذ عدة عقود.

وكان الجانبان قد خاضا حربا ضروسا في ستينيات القرن الماضي بتلك المنطقة التي لا تزال تعتبر إحدى بؤر التوتر وتنتشر على جانبيها أعداد كبيرة من قوات البلدين.

 رئيس الوزراء الباكستاني خلال استقباله الرئيس الصيني في باكستان الشهر الماضي (الأوروبية-أرشيف)

حدود الصداقة
وكانت الخارجية الهندية قد استبقت زيارة مودي إلى بكين باستدعاء السفير الصيني لديها للإعراب عن معارضتها الاتفاق الذي أبرمته بكين مع باكستان خلال زيارة الرئيس الصيني إلى إسلام آباد الشهر الماضي الذي سيتم بمقتضاه مد ممر اقتصادي تصل تكلفته إلى 46 مليار دولار يربط غرب الصين ببحر العرب عبر منطقة كشمير المتنازع عليها.

وفي الوقت نفسه، أعلن مكتب رئيس الوزراء الهندي إلغاء اجتماع كان مقررا له الثاني من الشهر الجاري بين مودي وزعيم التبت الدالاي لاما العدو اللدود لبكين، وكما يرى مراقبون فهذا الاجتماع الملغى كان سيعصف بالتأكيد بزيارة مودي إلى بكين حال انعقاده.

ويسعى رئيس الوزراء الهندي خلال زيارته إلى الصين للتوقيع على نحو عشرين اتفاقية اقتصادية وثقافية تقدر قيمتها بعشرة مليارات دولار، وإلى زيادة حجم الاستثمارات الصينية في بلاده خاصة في مجال البنية التحتية.

وتعتبر بكين أكبر شريك تجاري لدلهي بميزان تجاري يصل إلى حوالي سبعين مليار دولار لكن كفته ترجح بنسبة كبيرة لصالح الصين، وهو خلل سيحاول مودي إصلاحه من خلال تشجيع الشركات الصينية على زيادة استثماراتها في الهند خلال المنتدى الاقتصادي الصيني الهندي الذي سيحضره في شنغهاي عاصمة المال والأعمال في ختام زيارته إلى الصين والتي تستغرق ثلاثة أيام.

وحرص رئيس الوزراء الهندي على ألا تقتصر زيارته إلى الصين على لقائه بالقيادة والمسؤولين الصينيين فحسب بل سعى إلى مخاطبة الرأي العام الصيني بشكل مباشر من خلال افتتاح حساب شخصي له على موقع "وي بو" للتواصل الاجتماعي وهو النسخة الصينية لتويتر، ولاقت الخطوة ترحيبا لدى مستخدمي الموقع الذي استقبل آلاف التعليقات الإيجابية بعد ساعات فقط من افتتاحه.
 
يذكر أن السنوات الأخيرة شهدت تقاربا واضحا بين الجارين العملاقين دلهي وبكين حيث جمعتهما مجموعة "البريكس" التي تضم أيضا روسيا وجنوب أفريقيا والبرازيل، كما سارعت الهند أيضا إلى الانضمام كعضوة مؤسسة في بنك الاستثمار الآسيوي للبنية التحتية الذي اقترحته وترأسه الصين. 

المصدر : الجزيرة