رغم اختفاء الدولة البوليسية في تونس بسقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، فإن شبحها يطل من جديد بتكرار الحوادث الأمنية والجرائم "الإرهابية" التي يحذر حقوقيون تونسيون من التذرع بها لإعادة ممارسات قامت ثورة الياسمين من أجل القضاء عليها.

خميس بن بريك-تونس

يحذ رحقوقيون تونسيون من تحوّل بلادهم تدريجيا إلى دولة بوليسية مع استمرار تصاعد الاعتداءات المسلحة على قواتها العسكرية والأمنية، على الرغم من أن كبار المسؤولين في البلاد يؤكدون أن محاربة "الإرهاب" لا تعني انتهاك حقوق الإنسان.

وكان الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي أكد أمس خلال زيارته إلى فرنسا في حوار صحفي أن تونس "تحترم الحريات العامة والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وأن حربها ضد التطرف والإرهاب لا تعني السقوط في مفهوم الدولة البوليسية كما كان الأمر في النظام السابق".

وردا على سؤال يتعلق ببروز خطاب أمني "متشنج" عقب الهجوم المسلح على متحف باردو والذي أثار قلق العديد من منظمات حقوق الإنسان، قال السبسي "إن تونس قادرة على أن تحقق المعادلة الصعبة بين محاربة الإرهاب واحترام حقوق الإنسان والحريات المدنية المتضمنة بالدستور".

 أنور أولاد علي: تصريحات السبسي
كلام دبلوماسي (الجزيرة نت)

انتهاكات
لكن رئيس مرصد "الحقوق والحريات" المحامي أنور أولاد علي اعتبر تصريحات السبسي "مجرد كلام دبلوماسي عار تماما عن الصحة وبعيد كل البعد عن الواقع، لأن ممارسات وزارة الداخلية مع الموقوفين بشبهة الإرهاب تدل على عكس ذلك".

وأضاف أولاد علي أن "وتيرة الانتهاكات تصاعدت كثيرا خصوصا عقب الاعتداء المسلح على متحف باردو، حيث تم شن حملات اعتقال عشوائية في ظرف وجيز طالت المئات من الشباب السلفي بمعدل 40 شخصا يمثلون يوميا أمام القضاء بشبهة الإرهاب، وأغلب الموقوفين يقع إطلاق سراحهم من قبل المحكمة بعد قضاء ستة أيام قيد الإيقاف التحفظي، وهناك أدلة على تعرضهم للتعذيب وسوء المعاملة خلال فترة إيقافهم والتحقيق معهم. وقد عاد التعذيب بنسق سريع وأصبح ممارسة منتشرة".

ورأى أن "محاربة الإرهاب أمر ضروري، لكنه يجب أن يراعي معادلة صعبة تتيح النجاعة في مقاومة الإرهاب وتحترم في نفس الوقت الحرمة الجسدية والمحاكمات العادلة، عكس ما كان ينهجه النظام السابق من تعذيب وتضييق على الحريات الدينية وملاحقات بوليسية"، مضيفا أن "دعوة بعض الأطراف إلى التصدي للإرهاب حتى على حساب الحريات العامة يخلق حربا عشواء على الهوية وهو أمر خطير جدا". وأشار إلى وجود حديث خطير أصبح يدور في تونس "حول منع النقاب وملاحقة الأشخاص الملتحين بدعوى محاربة الإرهاب".

وتعزيزا للرأي السابق قال القيادي بالجبهة الشعبية اليسارية زهير حمدي "إن محاربة الإرهاب لا ينبغي أن تجعل الدولة تنساق وراء التخلي عن مبادئها في الحفاظ على حقوق الإنسان، ويمكن القضاء على ظاهرة الإرهاب باعتماد مقاربة شاملة تحترم فيها الحريات العامة".

وأعرب حمدي عن عدم ثقته بتصريحات السبسي الذي قال إنه "سقط في أول اختبار له في محاربة الإرهاب بسبب دفاعه الآن عن أطراف في حكومة الترويكا السابقة التي كان يكنّ لها العداء"، معتبرا أن نداء تونس الذي يقود الائتلاف الحاكم "بصدد لعب كل الأوراق للبقاء في الحكم".

وأضاف أن "الأحزاب القائمة على الحكومة والرئيس التونسي لا مشروع لهم سوى البقاء في السلطة"، مؤكدا أنهم بصدد استغلال الأوضاع الأمنية لإعادة الأساليب القديمة وضرب الحريات العامة وتجريم التحركات الاحتجاجية والإضرابات العمالية والتصالح مع رجال أعمال فاسدين.

  بن سالم: مصممون على تكريس حماية حقوق الإنسان (الجزيرة نت)

الدستور والديمقراطية
أما القيادي في حركة النهضة الإسلامية محمد بن سالم فقال إن "تصريحات السبسي لا بد أن يقع تكريسها في أرض الواقع من أجل كسب معركة الإرهاب، وكل الأنظمة التي حاولت القضاء على الإرهاب بالترهيب والدوس على حقوق الإنسان فشلت في حماية استقرارها".

ويرى بن سالم أن "محاربة الإرهاب تقتضي التقيد بمضامين الدستور وعلوية القانون واحترام مبادئ حقوق الإنسان، حتى لا نقدم هدايا مجانية للإرهابيين ليشككوا في ديمقراطية الدولة التونسية وفي احترام قواتها الأمنية والعسكرية لدستورها الذي يكرس الحريات والحقوق".

وشدد على أن حزبه مصمم على تكريس حماية حقوق الإنسيان وضمان المحاكمة العادلة في إطار مناقشة مشروع قانون الإرهاب الذي تمت إحالته إلى بعض اللجان البرلمانية، موضحا أن القضاء على الإرهاب يتطلب تكريس الديمقراطية ورفع قدرات الأمن والجيش.

المصدر : الجزيرة