في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، صُدم آلاف المصريين بعد اكتشاف تعرضهم لعملية نصب كبرى تحت اسم توظيف الأموال، وهي القضية المعروفة إعلاميا بـ"الريان"، وبعد نحو ربع قرن من الحادثة يتجرع مصريون الصدمة نفسها بمساعدة صور للرئيس عبد الفتاح السيسي ومستشاريه.

دعاء عبد اللطيف-القاهرة

أمام مكتب النائب العام المصري في القاهرة، تجمهر عشرات المواطنين من محافظة قنا جنوب مصر لتقديم بلاغات ضد شخص ادعى صلته بالرئيس عبد الفتاح السيسي ومستشاري الرئاسة، يدعى أحمد مصطفى إبراهيم، وشهرته "المستريح"، واستولى على ملايين الجنيهات منهم بدعوى توظيفها لجني أرباح، ثم اكتشفوا أنها عملية نصب، فأصدر النائب العام قرارا بمنع "المستريح" من السفر إلى حين انتهاء التحقيقات.

وقال المواطن صلاة النبي محمود الذي باع أرضه الزراعية للمشاركة في استثمارات المستريح، إنه شاهد صورا فوتوغرافية تجمع المستريح ببعض مستشاري السيسي مما طمأنه قبل دفع النقود وأقنعه بأن إنشاء مصنع الأسمدة الذي يفترض أن أمواله ستستثمر فيه يتم تحت رعاية الرئيس.

وأوضح صلاة النبي في تصريحات صحفية أن المستريح دفع جزءا من أرباح المودعين في ديسمبر/كانون الأول الماضي، لكنه اختفى منذ ذلك التاريخ، ورفضت البنوك صرف الشيكات التي حصلوا عليها لضمان أموالهم، بعد أن تبين أن صاحب الشركة لا يملك أرصدة في البنوك.

وفي مداخلة هاتفية له في أحد البرامج التلفزيونية، قال المستريح إنه مستعد لجدولة أموال المودعين لديه على فترات. وأضاف أن "المتقدمين ببلاغات للنائب العام لم يحصلوا على فوائد أموالهم منذ ثلاثة أشهر فقط، رغم أنهم يحصلون عليها منذ خمس سنوات"، مشيرًا إلى أن لديه سبعين مندوبا في محافظتي قنا والقاهرة، وأنه يعمل في مجال العقارات والأراضي و"تدوير كروت الشحن".

الهتيمي: غياب الديمقراطية أفرز تلك الحالة (الجزيرة)

إفرازات المرحلة
وبعد تفجر عملية النصب اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي للتعليق عليها عبر وسمي ريان الصعيد والمستريح. وغرد ثروت حسين قائلا "لا ألوم المستريح فهو رجل ذكي بمعنى الكلمة، ونحن من نبحث عن الثراء بسهولة بالغة ولم نعط أنفسنا الفرصة للتفكير.. كان بالإمكان أن نفعل بتلك الأموال مشاريع تكفي الصعيد بأكمله.. لكن الغباء راحة".

وكتب حسام همام "‏المستريح مجرد واجهة فقط مثل عمرو عبد الجليل فيلم صرخة نملة". وسخر محمد منصور من حجم المبالغ التي دفعها أهل الصعيد للمستريح قائلا "الصعيد طلع أغنى من البنك المركزي". ‫‏أما علي محمد عبد الله فحمل المودعين المسؤولية وقال "القانون لا يحمي المغفلين"، كما غرد سامح سعد "لولا الطماع ما ظهر النصاب".

بدوره، قال المحلل السياسي أسامة الهتيمي "إن استغلال أسماء كبار الشخصيات في مصر في عمليات النصب ليس جديدا، وهذه النوعية من عمليات النصب تتزامن مع استشراء الفساد وتورط رجالات في الدولة خلال حقب تاريخية متعددة بعمليات مشبوهة وغير قانونية".

ونبّه إلى أن استغلال أسماء الكبار "لا ينسجم إلا مع حالة غير ديمقراطية تشعر الكثيرين بأن الجهات الرقابية بمختلف أشكالها غير قادرة على كشف المستور أو مواجهة من تمّ الادعاء بأنهم متورطون في عمليات فساد، ولو كانت الحرية والديمقراطية غالبة على المشهد فإنه من اليسير التثبت من صحة الادعاء أو نفيه".

 البسطاء ضحايا عمليات النصب (الجزيرة)

المغفل والنصاب
من جهته، أرجع أستاذ الطب النفسي بجامعة الزقازيق أحمد عبد الله لجوء مواطنين إلى مشاريع تبدو نسب الأمان فيها ضئيلة، إلى صعوبة استغلال رؤوس الأموال الصغيرة داخل مجتمع غير منتج، لذا فإن أصحاب رؤوس الأموال الصغيرة "لا يجدون أمامهم سوى المجازفة مع أشخاص من غير ذوي الثقة، وعمليات النصب الساذجة كما في قضية المستريح تنتشر في المجتمعات التي يتسم أفرادها ببساطة التفكير كما الصعيد".

وعن الآثار النفسية لصدمة فقدان المودعين أموالهم، قال عبد الله "إن التأثير النفسي قد يصل حد إقدام الضحية على الانتحار بسبب ضياع ما تملكه من أموال وضبابية المستقبل".

وتعيد هذه الواقعة للأذهان أشهر حوادث النصب في مصر والمعروفة باسم قضية شركات الريان، وهي شركات توظيف أموال عملت في ثمانينيات القرن الماضي وجمعت مليارات الجنيهات من مودعين، ثم ألقي القبض على صاحب الشركة أحمد الريان بتهمة تهريب أموال المصريين إلى الخارج.

المصدر : الجزيرة