رفض الأهالي النزوح عن ديارهم واستمرت المدارس في زرع الأمل.. هي القصة في داريّا بريف دمشق، حيث تنتصر إرادة التعلم على طيش البراميل المتفجرة، وتتضافر جهود الفاعلين المحليين لتحييد الصغار عن أجواء الصراع.

علاء الدين عرنوس-رديف دمشق

أبوابٌ ملونة وصفوف نظيفة ومرتبة تستقبلك عند باب المدرسة التي تبدو كأنها بنيت في عالمٍ آخر يناقض النظرة الأولى التي تكونها عن بلدة داريّا المحاصرة في ريف دمشق.

دخل أطفال داريا بنهاية دروس الخميس عطلة لمدة أسبوع قبل امتحانات نهاية العام الدراسي الذي يودعونه فعلياً منتصف مايو/أيار المقبل، دون أن تنال من إرادتهم أعمال القصف اليومي المتكرر.

وقليلاً ما يكترث الآباء في داريا بمسألة اعتماد الشهادة المدرسية الصادرة عن السلطات المحلية للمدينة، فواجب التعلم بقصد المعرفة يأتي على رأس قائمة أولويات الأسر التي فضلت البقاء على النزوح.

ويشرف رئيس المجلس المحلي على العملية التربوية داخل داريا، وتأخذ مسألة المدارس حيزاً واسعاً من اجتماعات السلطات المحلية التي تعيش أجواء الحرب منذ ثلاثة أعوام.

عضو اللجنة التعليمية في المجلس المحلي للمدينة أبو يامن لا يتردد في قطع اجتماعاته السياسية للتوجه إلى الصفوف الدراسية حيث ينتظره الطلاب.

وفضلاً عن المناقشات الجدية في الجلسات الأسبوعية، فإن دورات إعداد المدرسين وطباعة المناهج الدراسية وتأهيل المدرستين المحدثتين، مواضيع لا تقل في أهميتها عن خطط الطوارئ والمواجهة بالنسبة لمدينة تعيش أجواء حرب فعلية.

ويشير أبو يامن إلى حجم الضرر الذي لحق بالقطاع التعليمي، وأعمال القصف الممنهج التي طالت المدارس والمعاهد التربوية.

الفصول المجهزة تعكس جانبا
من صمود سكان مدينة داريا (الجزيرة نت)

إرادة العلم
ويضيف أبو يامن للجزيرة نت أن أغلب الأطفال لديهم رغبة في التعلم وملتزمون بالدوام بنسبة جيدة، رغم ظروف الحرب.

وحسب تعبيره، فإن الأطفال يجدون في المدرسة تعويضا اجتماعيا ونفسيا عن جو الحرب الذي تعيشه المدينة، لكنه أشار إلى حالات عزوف عن التعليم نتيجة الظروف التي مر بها بعض الصغار.

ورغم الاهتمام الكبير الذي توليه فعاليات المدينة للتعليم، يستوحي الأطفال بعض ألعابهم من الجو الذي يعيشون فيه، فتراهم يشيعون قتيلا افتراضيا ويخرجون في مظاهرات ويرددون أناشيد ثورية ويلهون بألعاب قتالية.

ويقول أبو يامن "يتم التركيز على الأنشطة التي تجذب الطفل إلى التعليم وتخرجه من جو الحرب والدمار".

ولفت إلى تأهيل الكادر التعليمي من خلال دورات في الإدارة الصفية وأساليب التدريس واللغة الإنجليزية، مشيرا إلى الاستفادة من تجارب أخرى في مناطق خارجة عن سيطرة النظام.

الصراع ألحق أضرارا جسيمة بالقطاع التعليمي في داريا بريف دمشق (الجزيرة نت)

تدابير مشجعة
وتقول المدرّسة إيمان إن ما سمتها التدابير المشجعة التي اتخذتها اللجنة التعليمية حصنت الأطفال المراهقين من الجنوح لحمل السلاح، لأن مكانهم الصحيح قبل التاسعة عشرة من العمر هو مقاعد الدراسة وليس جبهات القتال أو المهن التقليدية.

وتضيف "لقد اتبعت المدرسة إجراءات صارمة بالتعاون مع مختلف فعاليات المدينة لحث الفتيان على مواصلة تعليمهم بمعزل عن الأجواء المتوترة، فالحرب لها رجالها والفتية لهم مدارسهم".

وتضيف أنهم يعتزمون خلال العام القادم تأهيل من يرغب من الطلاب في التقدم للمرحلة الجامعية والتعلم عن بعد بفضل تقنيات الاتصالات الحديثة، "على أمل أن تصبح الشهادة التعليمية الصادرة عن هيئتنا معتمدة من مؤسسات تربوية دولية".

ويقول ناشطون إن استمرار التعليم يمثل جانبا من صمود داريا، حيث يصر أولياء الأمور والمدرسون على الاستمرار في الحياة وتحدي الظروف القاسية بزرع بذور الأمل وبناء الجيل الجديد.

المصدر : الجزيرة