يتميز المجتمع التونسي -كغيره من المجتمعات العربية- بأنه مجتمع شاب، يشكل الشباب فيه نسبة تتعدى نصف عدد السكان، لكن طاقاتهم باتت معطلة أمام طوفان من الإحباط سببه الأزمات المعيشية وفي مقدمتها البطالة، مما أفقدهم الثقة في الأحزاب ووسائل الإعلام.

خميس بن بريك-تونس

أظهرت دراسة حديثة أجرتها إحدى منظمات المجتمع المدني في تونس أنّ 90% من الشباب التونسي لا يثقون في الأحزاب السياسية، وأنهم على قناعة بأنّ السياسيين غير قادرين على تحسين أوضاعهم. كما كشفت أنّ 75% منهم غير راضين عن أداء الإعلام.
 
ويقول سفيان جلال الدين -أحد الشباب العاطلين عن العمل- إنّه لا يشكك في صحة نتائج هذا الاستطلاع، مؤكدا أن ثقته بالأحزاب "انهارت بسبب صراعها على السلطة ومصالحها الحزبية الضيقة وانقلابها على وعودها الانتخابية بتحسين ظروف العيش"، مضيفا أنّ أمله في الحصول على وظيفة تحفظ له كرامته بدأ يتلاشى إلى درجة أنه أصبح يفكر جديا في الهجرة غير النظامية باتجاه فرنسا حيث يقيم أخوه.

وكغيره من الآلاف من الشباب التونسي الذين يشكلون 60% من الجسم الانتخابي في البلاد، لم يتوجه سفيان إلى صناديق الاقتراع في الانتخابات التي أعقبت الثورة، قائلا "لم أصوّت ولن أصوّت لأي حزب حتى لا ألوم نفسي لأني مقتنع بأنّ الأمور لن تتحسن".

  التاجوري يفكر في الهجرة (الجزيرة)

فقدان الثقة
ولا يقتصر انعدام الثقة في الأحزاب على الشباب الذين قاطعوا الانتخابات، فحتى الشباب الذين انخرطوا في العملية الانتخابية ترسخت خيبة أملهم في الأحزاب السياسية ووسائل الإعلام وفي قدرتها على تغيير واقعهم نحو الأفضل والاهتمام بمشاغلهم.

ويقول جاد التاجوري الذي انضم إلى طابور العاطلين عن العمل منذ أشهر قليلة عقب إنهاء دراسته، إنّه فقد ثقته في حركة نداء تونس التي منحها صوته في تحقيق وعودها الانتخابية السابقة.

ويرجع تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد إلى "صراع الأحزاب على السلطة وانعدام روح الوطنية لديها بتلبية احتياجات الشعب، معربا عن إحباطه من تنامي مظاهر الفقر والبطالة والفساد والمحسوبية والرشوة.

أما الطالبة شراز فترى أنّ جميع الأحزاب "ليست جديرة بالسلطة"، وحملتها مسؤولية تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية "إلى درجة أن بعض التونسيين أصبحوا يتمنون عودة الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي".

شراز: الإعلام ينفذ أجندة رجال الأعمال  (الجزيرة)

خيبة أمل
كما أعربت عن خيبة أملها من أداء وسائل الإعلام وترى أنها "تطبّق حرفيا أجندة أحزاب سياسية ورجال أعمال، وما تقدّمه من محتويات لا تعبّر عن القضايا والمواضيع الحقيقية التي تعبّر عن مشاغل الطبقة الفقيرة واهتماماتها الحارقة".

وحول تلك الظاهرة قال الباحث في علم الاجتماع محمد الحاج سالم إنّ انعدام ثقة الشباب في الأحزاب أمر "أثبته الواقع بدليل ارتفاع نسبة عدم إقبال الشباب على الانتخابات الأخيرة جراء استيائهم من كثرة عدد الأحزاب ونفورهم من تداخل المال والسياسة والإعلام".

وأضاف سالم أنّ  لدى الشباب نظرة سلبية تجاه الأحزاب والإعلام "بعد وقفة تأمل وتقييم لما أصبح عليه الوضع بعد الثورة التي حققها، فتغييب البعد الطبقي والفئات الشبابية والفقيرة التي ثارت على أصحاب النفوذ هو الذي كرّس موجة انعدام الثقة في الساسة".

وأوضح أنّ تراجع الثقة في الأحزاب جاء نتيجة "انطفاء بريق الفكر الأيديولوجي لديها وظهور أحزاب سياسية ذات برامج، غير أن مشكلتها الأساسية تكمن في أن برامجها مستنسخة من بعضها البعض، وهو أمر أدركه الشباب التونسي ورفض الانسياق خلفها".

وحول رأيه في استياء الشباب من الإعلام يقول إنّ الأخير تبنى بعد الثورة أطروحات ثورية، "لكن دخول رجال أعمال على الخط، جعل وسائل إعلام تشكك في الثورة وشهدائها وتبيّض مجرمين اعتدوا على الشعب وتغيّب الفئات المهمشة، مما أفقد الشباب ثقته فيها".

المصدر : الجزيرة