بعد أن نادت الحكومة السودانية طويلا بخروج البعثة المشتركة لحفظ السلام في دارفور من البلاد، جاءت حادثة قتل قوات البعثة عددا من المواطنين لتعزز موقف الخرطوم من القضية، في ظل حشد وتأليب الحكومة للرأي العام في دارفور تجاه البعثة.

عماد عبد الهادي-الخرطوم


وفرت بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي المشتركة بالسودان (يوناميد) مبررا جديدا للخرطوم لمطالبة البعثة بخروجها من إقليم دارفور، الذي يعاني تمردا وتوترا بين مكوناته المختلفة منذ أكثر من عشر سنوات.

وجاء مقتل سبعة مواطنين سودانيين على أيدي أفراد من البعثة ليسهل على حكومة الخرطوم تأكيد مبرراتها بعدم وجود حاجة فعلية لقوات البعثة التي تحولت من حامية للمواطن إلى قاتلة له، وفق محللين.

وقتلت قوات "المشتركة" سبعة من المواطنين السودانيين في حادث بولاية جنوب دارفور، ليتطور الأمر إلى مناوشات بين المواطنين وأفراد من البعثة حتى صباح اليوم الأحد.

وتصر الحكومة على خروج القوات المشتركة من دارفور بعد تدهور العلاقة بينهما، على خلفية اتهام الأخيرة للجيش السوداني بممارسة اغتصاب جماعي لنساء في قرية تابت بولاية شمال دارفور في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي.

وبرغم إمساك الخرطوم عن التعليق على الحادثة والاكتفاء وفق مسؤول بالخارجية بالقول إن بيانا سيصدر لاحقا بعد دراسة الأمر بكافة جوانبه، فإن توقعات تشير إلى إمكانية تطور الأوضاع إلى الأسوأ.
حاوي: الحادث صب في مصلحة الحكومة الداعية لطرد البعثة من دارفور (الجزيرة)

البعثة تنفي
وتوقع متابعون استمرار أزمة البعثة في دارفور بسبب عادات الثأر التي تتحكم بمواطن الإقليم، مشيرين إلى أن مقتل المواطنين لن يمر دون أن يدفع عناصر من البعثة ثمنه.

البعثة المشتركة أصدرت بيانا متأخرا ليلة أمس السبت أكدت فيه أن كل ما فعله أفراد قوتها هو أنهم ردوا على هجمات بدأ بها رجال مسلحون بمحلية كاس بولاية جنوب دارفور، خلال يومي 23 و24 من الشهر الجاري، نافية صحة ما أسمتها "التقارير الإعلامية المغلوطة عن ملابسات الحادثتين".

ووفق البيان، فإن عبدون باشوا الممثل الخاص المشترك ورئيس بعثة يوناميد المكلف يقول إن "قوات يوناميد في كلتا الحادثتين لم تفعل سوى الرد على إطلاق النار عليها والدفاع عن نفسها".

ويطابق الناطق الرسمي باسم البعثة أشرف عيسي تأكيد ما أعلنه باشوا بأن رد فعل قوات حفظ السلام كان ردا متكافئا ومنضبطا ومتناسبا مع طبيعة الهجومين.

وأشار في تعليق للجزيرة نت إلى أن للبعثة أدلة مادية على أن "نحو أربعين مسلحا كانوا يمتطون الخيول والهِجن ويحملون أسلحة كلاشنكوف وقاموا بفتح نيرانها على جنود بعثة حفظ السلام".

وبينما تزداد الأوضاع توترا بين البعثة والمواطنين بالولاية الذين أمهلوها اليوم الأحد أقل من 48 ساعة لمغادرة ولايتهم، يرى متابعون أن الحكومة "هي المستفيد الأبرز من الأزمة كونها طلبت من قبل بمغادرة البعثة".

 الدومة: خروج البعثة وفق رغبة الحكومة سيزيد الأمور تعقيدا (الجزيرة)

مصلحة الحكومة
أستاذ العلوم السياسية بجامعة بحري حمد عمر حاوي، يعتقد أن ما حصل "انصب في مصلحة الحكومة السودانية التي وجدت مبررا جديدا يدعم موقفها المطالب بمغادرة البعثة".

ويقول للجزيرة نت إن ما حدث لا يمكن تجاوزه أو تجاهله، مشيرا إلى أن حماية المواطن التي تبرر وجود البعثة أصبحت غير متوفرة "وهو سلاح أخلاقي ستعمل الخرطوم على استغلاله بأكمل وجه".

ويضيف أن الأزمة أصبحت كرتا داعما لموقف الحكومة السودانية، وسندا اجتماعيا قويا أكثر واقعية من قبله، واصفا ما حدث بالهدية الموجهة للخرطوم.

وعلى الرغم من مطالبة هيئة المحامين في دارفور بإجراء تحقيق دولي بالحادثة، فإنها اتهمت الحكومة بتأجيج الصراع بين المواطنين الموالين لها والقوات الدولية "بعد قرارها بخروج البعثة من الإقليم بأسرع وقت".

ووفق رئيس الهيئة محمد عبد الله الدومة، فإن هناك شحنا حكوميا للمواطنين ضد البعثة، واعدا بملاحقة مرتكبي الحادث "بغض النظر عن صحة رواية البعثة من عدمها".

ويرفض الدومة، في تعليقه للجزيرة نت، خروج القوات الدولية من دارفور "بدون إيجاد بديل حقيقي" مشيرا إلى أن خروجها وفق رغبة الحكومة سيجعل الأمر أكثر تعقيدا.

المصدر : الجزيرة