رغم بعد الشُّقة، لم يكن أمام أهالي الأنبار بد من النزوح إلى نكد الحياة في مخيمات بمناطق كردستان العراق، بعد أن استوطن الموت ربوعهم ورفض الأقربون إيواءهم، وفق شهادات تحدثت للجزيرة نت عن قصص الخوف والعوز والضياع.

الجزيرة نت-السليمانية

بعد أن كانت عوائلهم ذات الطبيعة العشائرية لا تغادر مناطقها إلا للضرورة القصوى ولفترة محدودة جدا، أصبح سكان محافظة الأنبار العراقية في شتات لم يخطر ببال أحد على الإطلاق.

أبناء العائلة الواحدة تجدهم موزعين على مناطق في الأنبار وفي أحياء بغداد أو حزامها، وثمة من يعيش في كركوك، وآخرون وصلوا إلى السليمانية وأربيل. كما أن الكثير من الأسر لم تتمكن من لقاء الأقارب منذ عام أو أكثر.

دون سابق تخطيط اضطروا لترك ديارهم هاربين بأنفسهم من الموت. مدنهم وقراهم وأزقتهم أصبحت ساحات للقتال بين القوات الحكومية العراقية ومسلحي تنظيم الدولة الإسلامية الذي سيطر على أغلب مدن الأنبار بين عشية وضحاها.

قصص من المعاناة الحقيقية والرعب عاشها النازحون الذين خرجوا من مدن مترامية الأطراف، هاربين من جحيم النار والخوف.

الرحلة شاقة ومضنية، كما يصفها أبو خالد (45 عاما) حيث يقول "بدأت رحلتي مع النزوح من حيث كنت أسكن في الحي العسكري شمال شرقي  الفلوجة (60 كلم غرب العاصمة بغداد).

الحي العسكري أول منطقة سكنية بمدينة الفلوجة تتعرض للقصف المستمر بالمدفعية والبراميل المتفجرة التي كانت تلقيها مروحيات القوات الحكومية بعد دخول المسلحين.

جانب من اصطفاف النازحين للحصول على مساعدات غذائية (الجزيرة نت)

درب الضياع
وبعد موجة القصف بالبراميل المتفجرة، وهي سياسة اتبعتها القوات العراقية بعد شيوعها في سوريا، اتجه أبو خالد الذي كان يعمل بمجال العقارات صوب مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار التي كانت منطقة آمنة في ذلك الوقت.

ولدى أبو خالد عائلة من ستة أشخاص. ويضيف "بعد مضي شهرين دخل المسلحون للرمادي وغادر الأهالي بسياراتهم وبعضهم سيرا على الأقدام صوب الشارع المؤدي إلى مدينة هيت".

في هيت التي تقع على بعد ستين كيلومترا إلى الشمال من الرمادي، بدأت الرحلة الثانية للهاربين من مدينة تحولت إلى ساحة معركة.

سار أبو خالد على قدميه في الصحراء حاملا ابنته ذات الحولين ومعه زوجته وبقية أبنائه، حتى تمكنوا من الحصول على سيارة نقلتهم إلى كربلاء (جنوب غرب بغداد) مع عشرين شخصا.

عند كربلاء، واجهت العوائل مشكلة "الكفيل" وهو نظام تتبعه الحكومة العراقية للسماح للنازحين بالعبور من محافظة ساخنة إلى أخرى.

وبعد انتظار قارب اليومين، تمت الموافقة على دخول السيارات بعد تفتيشها بالكامل "ثم رافقتنا الشرطة للتأكد من أننا سنغادر كربلاء باتجاه بغداد".

وصل النازحون لبغداد ثم تابعوا الطريق إلى السليمانية حيث تصطف مخيمات النازحين على مد البصر. في السليمانية ومن داخل أحد المخيمات، يقف طابور من النساء على دورة المياه، وهي غرفة مصنوعة من حجر وسقفها من حديد.

تقول أم عمر (44 عاما) القادمة من الرمادي، وسكنت بمخيم للنازحين، إن أبرز معاناة النازحين تكمن في افتقار المخيمات إلى أبسط الخدمات الضرورية وغياب الرعاية الصحية اللازمة وعدم وجود أماكن للاستحمام.

بختيار:
نحو 15 ألفا من نازحي الرمادي وصلوا السليمانية وأتوقع زيادة الأعداد في المستقبل

نبذوهم بالعراء
ومع حلول موسم الصيف، أصبحت معاناة النازحين أكثر سوءا بسبب حرارة الجو. ولم تقبل بعض العوائل السكن في المخيمات، بل اعتبرتها إهانة لكرامة الإنسان وعبارة عن الإقامة في العراء بدون خدمات.

لطيف الأنباري (28 عاما) فضل السكن مع والدته وأربعة من أشقائه في غرفة بفندق صغير بالسليمانية، على الرغم من أنها لا تتسع في العادة لأكثر من شخصين.

يقول للجزيرة نت إن صاحب الفندق ساعدهم بتخفيض سعر أجرة الغرفة، مضيفا أن أصغر منزل بالسليمانية لا يقل ثمن تأجيره عن 750 ألف دينار عراقي شهريا (الدولار يساوي 1185 دينارا) والعديد من أصحاب العقارات يطالب بإيجار مقدم لمدة ستة أشهر.

ويعيش الأنباري وعائلته على بعض مساعدات يقدمها الأهالي، بينما أنفقت أغلب الأسر في الأيام الأولى من النزوح مبلغ المليون دينار الذي قدم لكل عائلة نازحة.

وترجح منظمات إنسانية في العراق ارتفاع أعداد النازحين من محافظة الأنبار إلى 114 ألفا خلال أسبوعين نتيجة تفاقم المعارك بمدينة الرمادي بين القوات الحكومية وتنظيم الدولة.

ويقول بختيار محمد -من منظمة التنمية- إن نحو 15 ألفا من نازحي الرمادي وصلوا إلى السليمانية، متوقعا زيادة الأعداد في المستقبل.

المصدر : الجزيرة