وسط حيرة أولياء الأمور وانزعاج السلطات، تغيب الحدود الفاصلة بين الحرية والتطرف في ثانويات تونس، فيتغنى الطلاب بشعارات هتلر وممارسات تنظيم الدولة الإسلامية، ويطلقون العنان لحفلات وسلوكيات تخرق القانون وتخدش القيم.

خميس بن بريك-تونس

تحوّلت المدارس في تونس مع نهاية الموسم الدراسي إلى ما يشبه ملاعب كرة القدم، حيث عمد تلاميذها إلى إشعال الألعاب النارية ودق الطبول وترديد الأهازيج الرياضية. لكنّ الأمر الذي أفاض الكأس هو رفع التلاميذ شعارات تمجد زعيم النازية أدولف هتلر، وأخرى وصفت بأنها متطرفة ومخلة بالآداب.

وتعوّد التلاميذ بعد الثورة، ومع نهاية موسم الدراسة وبداية إجراء امتحانات مادة الرياضة في مسابقة الباكالوريا (الثانوية العامة)، على تنظيم حفلات داخل ساحات المعاهد الثانوية، شبيهة بتلك التي تقيمها جماهير أكبر الفرق الرياضية لكرة القدم، الأمر الذي فجّر جدلا ساخنا في البلاد.

ويقول وجدي -وهو شاب يدرس الباكالوريا- إنّ التسلية وراء تنظيم الطلاب هذه الحفلات، موضحا أنهم يعمدون إلى الترويح على أنفسهم بعد سنة دراسية شاقة، ويؤكد أنّ الموضوع تمّ تهويله بشكل كبير من قبل السلطات التي تدخلت في بعض المدارس لمنع الاحتفالات.

وأضاف أنّ الرسوم التي تم رفعها تندرج ضمن فرحة التلاميذ بنهاية الموسم الدراسي، وتعبر عن وجهات نظرهم إزاء ما يجري من أحداث.

أحد احتفالات طلاب الثانوية في تونس بمناسبة نهاية العام الدراسي (الجزيرة نت)

فشل ذريع
لكن هذا الرأي لم يقنع عبد الرؤوف الذي لديه ابن يدرس الباكالوريا، حيث أصبح متخوفا على مستواه المعرفي بسبب ما اعتبره فشلا ذريعا في المنظومة التعليمية وتسيبا أخلاقيا للتلاميذ.

ورأى عبد الرؤوف في حديث للجزيرة نت أن حفلات نهاية الموسم الدراسي "دليل خطير على انحدار الأخلاق".

ويضيف أن المعاهد الثانوية في تونس أضحت تعيش حالة كبيرة من الفوضى نتيجة ما سمّاه عدم اكتراث التلاميذ بالتعليم وانعدام روح المسؤولية والصرامة لدى جزء من الإطار التربوي، وطالب السلطات بالتدخل لفرض هيبة المدارس.

وبسبب مثل هذه الشكاوى خرجت الحكومة التونسية عن صمتها، وأعلنت عن عزمها اتخاذ إجراءات صارمة تجاه ما تمّ تسجيله من "خروقات" في بعض المعاهد الثانوية، ونددت برفع بعض الصور التي تمجّد هتلر، أو تلك التي تظهر فيها شعارات تنظيم الدولة الإسلامية.

وفي حديث للجزيرة نت، قال الوزير المكلف بالعلاقات مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني كمال الجندوبي إنّ المنحى الجديد لما يسمى حفلات نهاية الموسم الدراسي حمل معاني تسيء لصورة تونس في رفضها العنصرية العرقية ومقاومتها كل مظاهر التطرّف.

الجندوبي: طلاب ثلاثة معاهد ثانوية رفعوا شعارات عنصرية ومتطرفة (الجزيرة نت)

العنصرية والإرهاب
وذكر أنّ ثلاثة معاهد ثانوية في جهات مختلفة قام عدد من تلاميذها برفع رسوم عبرت بشكل صريح عن دعمها "قوى عنصرية مثل صور أدولف هتلر أو جماعات إرهابية على غرار الصور التي تظهر مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية وأخرى تخدش الحياء".

وقامت السلطات الأمنية بإيقاف عدد من التلاميذ والتحقيق معهم بشأن نشر رسوم تنظيم الدولة، بعد أن قامت صفحات على موقع تويتر منسوبة لتنظيمات مسلحة بإعادة نشر الرسوم والإشادة بسلوك التلاميذ.

ويقول الجندوبي إن بعض الاحتفالات كانت بعيدة جدا عن الإبداع وقيم التسامح والاعتدال، وتسببت في حالة من الفوضى وتوتير الأجواء. لكنه أشاد في الوقت نفسه ببعض الاحتفالات التي قام خلالها التلاميذ "بتكريم شهداء الجيش والأمن".

وأكد أنّ الحكومة ستتخذ إجراءات صارمة في المواسم الدراسية القادمة من أجل تفادي تكرار مثل هذه "الخروقات".

وسعيا لتفادي هذا الواقع مستقبلا، أعلنت وزارة التربية عزمها مراقبة محتوى الاحتفالات المدرسية في الموسم المقبل لضمان عدم خروجها عن الأطر القانونية أو إخلالها بمبادئ التسامح والاعتدال والإبداع.

المصدر : الجزيرة