وجهات النظر المتباينة تكون عادة ملازمة للقضايا ذات البعد السياسي أو الثقافي، ونادرا ما تكون سمة للقضايا العلمية، لكن التباين في حادثة غرق ناقلة محملة بصخور الفوسفات بنهر النيل في مصر، كان السمة المميزة للآراء المصاحبة للقضية.

أربعة أيام مرت على غرق الناقلة المحملة بخمسمائة طن من صخور الفوسفات بمنطقة دندرة بمحافظة قنا (جنوبي مصر)، وظهرت خلال هذه الأيام آراء كثيرة ومتضاربة، ساعدت على تعميق الشعور بالخطر.

فالبعض هوّل من خطورة الحادثة على صحة المصريين، والآخرون هونوا من خطورة الأمر، وقال خبراء إن صخور الفوسفات تحتاج لسنوات حتى تذوب، وذهب رأي ثان إلى أن هذه الصخور قابلة للذوبان بسهولة، وحذّر البعض من وجود عنصر اليورانيوم المشع في الصخور، ورأى آخرون أن التحذير غير علمي.

نادر نور الدين أستاذ الموارد المائية بكلية الزراعة جامعة القاهرة -وهو أحد الخبراء الذين يتبنون وجهة نظر مطمئنة تجاه هذه القضية- يقول إن "الفوسفات في حد ذاته لا يسبب مشكلة، لكن المشكلة في أن صخور الفوسفات غير معالجة، وبالتالي بها بعض الشوائب مثل عنصر الكاديوم".

ويُعزل هذا العنصر في مصانع الأسمدة من الصخور لاستخراج الفوسفات نقيا، عبر استخدام حامض الكبريتيك، لكن في حال تسربه للمياه من الصخور الخام يسهل معالجته في محطات المياه، حسب نور الدين.

وتابع "هذا العنصر يسهل التخلص منه في محطات معالجة المياه قبل توصيلها للمستهلكين، بالتقليل من حمض الكلوريد المستخدم في تنقية المياه، لأنه يزيد من ذوبان الكاديوم، وفي الوقت نفسه تتم زيادة فترة بقاء المياه في أحواض الأكسدة، بما يؤدي إلى التخلص من هذا العنصر السام".

ما قاله نور الدين -وهو مطمئن في مجمله- يتعارض مع تقارير امتلأت بها الصحف طوال الأيام الأربعة الماضية، وتبنت في معظمها خط "التهويل".

فتحت عنوان "خبراء يحذرون من آثار اختلاط الفوسفات بمياه النيل على الأعصاب والكبد"، نشر الموقع الإلكتروني لصحيفة الوطن الخاصة تقريرا قبل يومين، تحدث فيه محمود عمر -الباحث المتخصص في علم السموم بالمركز القومي للسموم (حكومي)- عن خطورة اختلاط المياه بالفوسفات، وتأثير ذلك على تلف الخلايا العصبية.

وجهة نظر مختلفة
وما بين الطمأنة والتهويل، يطرح رئيس اللجنة الوطنية للسموم بأكاديمية البحث العلمي سميح عبد القادر وجهة نظر مختلفة، تنطلق من أن الأمر ليس خطيرا في الوقت الراهن، لكنه يحتاج للتعامل معه بجدية، لأنه قد يكون خطيرا مع مرور الوقت.

ويقول عبد القادر إن "الصخور تحتاج وقتا للذوبان، ويعتمد ذلك على عاملين: هما درجة الحرارة، وتيار المياه في المنطقة"، مشيرا إلى أن تواجد الصخور بمياه راكدة، يزيد من الفترة التي تحتاجها للذوبان، أما في حال تواجدت في منطقة بها مياه جارية، فالمياه ستساعد على الذوبان خلال فترة أقل".

حادثة غرق الناقلة زادت المخاوف بشأن تلوث مياه نهر النيل (الجزيرة-أرشيف)

ويقلل عبد القادر من مخاطر تلوث المياه بعنصر اليورانيوم الموجود في صخور الفوسفات، وقال "أي صخور معادن بها نسبة من اليورانيوم، لكنها نسبة ضئيلة جدا تكاد لا تذكر، بحيث لا تترك تأثيرا".

وكانت تقارير تحدثت عن احتواء تلك الصخور على نسبة كبيرة من اليورانيوم، وهو ما علق عليه عبد القادر ساخرا "لو كان الأمر كذلك، لاستخرجنا اليورانيوم من الصخور بدلا من الفوسفات، فهو أغلى، ويدخل في كثير من الصناعات". 

وتنطلق كل الآراء سواء المهولة أو المطمئنة، من تقييم أثر وجود الفوسفات في الماء، ويطرح أستاذ الجيولوجيا بجامعة جنوب الوادي بقنا عباس منصور وجهة نظر مطمئنة في هذا الصدد.

ويقول منصور "القضية تم تضخيمها، فمن الثوابت العلمية التي لا تقبل الجدل أن صخور الفوسفات لا تذوب بسهولة في المياه، ومن ثم فإن وجودها في المياه لا يضر ولا ينفع".

المصدر : وكالة الأناضول