يواصل الأبيض المتوسط ابتلاع أجساد المهاجرين اليائسين، "فتغرق" معهم مصداقية أوروبا وقيمها، ثم لا تأتي قممها إلا بتشديد الإجراءات الأمنية والنصوص القانونية، وفق حقوقيين وناشطين تظاهروا ضد قمة الاتحاد الأوروبي ببروكسل واحتجوا على مقاربات "لن تنتج سوى مزيد من الكوارث".

لبيب فهمي-بروكسل

دقيقة صمت، ثم فُتح باب النقاشات التي يبدو أنها ستكون صعبة بين دول الاتحاد الأوروبي الـ28 حول ملف الهجرة غير النظامية.

القمة الاستثنائية التي عقدت تحت تأثير الانفعال بعد تراكم المآسي في البحر الأبيض المتوسط في الأيام الأخيرة، تلقى مقترحاتها تنديدا حادا من قبل المنظمات الإنسانية.

رئيسة الدبلوماسية الأوروبية فيديريكا موغريني لا تخفي مرارتها "أمام التقاعس"، وتقول إن "الأمر يتعلق بإنقاذ الأرواح وحماية حقوق الإنسان والأمن".

وتوجد على طاولة مفاوضات القادة الأوروبيين خطة عنوانها "اتخاذ إجراءات فورية ردا على وضع الأزمة في حوض البحر الأبيض المتوسط"، وقد نوقشت بالفعل الاثنين الماضي خلال اجتماع مشترك خاص ضم وزراء الداخلية والشؤون الخارجية في دول الاتحاد.

وكما يفسر الخبير في الشؤون الأوروبية فيليب رينيي للجزيرة نت، فإن الخطة "لا تقدم سوى القليل من الجديد، مقارنة مع المبادرة التي طرحت عام 2013 بعد مأساة قبالة جزيرة لامبيدوزا الإيطالية ولم تلق أي نجاح".

ويوضح أن الخطة الجديدة "تجمع بين تدابير إنقاذ المهاجرين واحتمال اتخاذ إجراءات أقوى ضد قوارب المهربين، وبين قليل من التضامن بين الدول الأعضاء في استقبال اللاجئين".

وتتضمن الخطة إجراءات تتعلق بردع المهاجرين عبر عمليات ترحيل سريعة "تمزج بين العمل الإنساني والصرامة". لكن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة تعتبر هذه الإجراءات غير كافية للحد من تدفق المهاجرين.

قادة الاتحاد الأوروبي يعكفون على اتخاذ قرارات جديدة حول الهجرة (الجزيرة نت)

مسألة مصداقية
وكان رئيس الوزراء البلجيكي شارل ميشال قال قبيل انطلاق القمة، إن قادة أوروبا لا يمكنهم الوقوف مكتوفي الأيدي حيال أزمة الهجرة. وأضاف أنه يتعين اتخاذ قرارات وإجراءات حتى لو لم تحلّ كل شيء، من منطلق أنها "مسألة مصداقية".

ورغم هذه التصريحات فإن تباين المواقف بين الدول الأعضاء حول هذا الملف يخيم على اللقاء.

ويقول المحلل السياسي جيرالد بابي إن القمة تواجه تحدي تجنب الخلاف حيال المواضيع الحساسة التي تقع إلى حد كبير في نطاق الاختصاص الوطني، وتواجه في نفس الوقت تصاعد الآراء الشعبوية مع اقتراب مواعيد الانتخابات في بعض دول الاتحاد.

ويضيف بابي للجزيرة نت أنه إلى "جانب قضية المساهمات الملموسة للدول الأعضاء، يمكننا توقع مزيد من الصعوبات أثناء المناقشة، منها التردد الكبير في المملكة المتحدة وبلدان أوروبا الوسطى والشرقية للمشاركة في هذه المشاريع التضامنية".

وأشار إلى أن الدول الإسكندنافية تعارض تخصيص موارد للسياسة القمعية، إضافة إلى مجموعة من العراقيل السياسية والقانونية العملية.

وتزامنا من انطلاق القمة، نظمت مجموعة من المنظمات الحقوقية مسيرة صمت جنائزية تكريما للمهاجرين الذين لقوا مصرعهم غرقا.

الناجون من الغرق يحكون قصصا مؤلمة
عن غرق الأطفال والنساء (الجزيرة نت)

سياسة قمعية
واعتبر منظمو المظاهرة أن الإستراتيجية التي يناقشها القادة الأوروبيون "لا تعمل إلا على تكريس سياسة قمعية للمهاجرين تميز بها الاتحاد الأوروبي منذ 20 عاما".

ويقول أرنو زكري -من إحدى المنظمات الإنسانية البلجيكية- إن المسيرة تهدف إلى الضغط على دول الاتحاد "التي تعقد قمة لمواصلة سياسة الهجرة".

ورأى زكري أن هذه السياسة أدت إلى وقوع كوارث غرق المهاجرين، حيث تقوم على تفعيل وتشديد قوانين أمنية وعمليات عسكرية قمعية، وفق تقديره.

وقال إن الاتحاد الأوروبي انتهج هذه المقاربة في الماضي ولا يعتزم تغييرها، مضيفا "لا يمكننا انتظار تحسين وضع المهاجرين بانتهاج نفس السياسة التي تسببت في مآس أودت بحياة المئات منهم".

وتتركز مطالب الجمعيات المنظمة للمسيرة -ومنها منظمة العفو الدولية- على ضرورة تفعيل سياسة تقطع جذريا مع القوانين القمعية للمهاجرين، وتكرس ضمان حقوقهم الإنسانية.

المصدر : الجزيرة