يوسف حسني-القاهرة

لم يكن عبد الرحمن الأبنودي واحدا من أشهر شعراء العامية المصرية وحسب، ولكنه كان رائدا بين من  ناضلوا للخروج بالقصيدة الدارجة من قالبها الزجلي القديم إلى القالب الحر. كما أنه نجح في إبهار المدينة بلهجة القرية وتراثها، وظل محافظا على لسانه الجنوبي الأصيل.

ويعد "الخال" كما يسميه شعراء مصر ومثقفوها، واحدا ممن تخطت شهرتهم حدود بلده، فتغنى بقصائده المثقفون والعوام في الوطن العربي من أقصاه لأقصاه، خاصة وأنه عني بقضايا أمته، ونكأ جراحها التاريخية لتظل حية في مواجهة محاولات تمويتها أو تسكينها، ولا سيما جرح "فلسطين".

المولد والنشأة
في عام 1939 ولد عبد الرحمن محمود الأبنودي لأسرة فقيرة في قرية أبنود بمحافظة قنا في صعيد مصر، وهو زوج الإعلامية نهال كمال وله منها ابنتان هما آية ونور.

بدأت علاقة الأبنودي بالأدب مع سيرة بني هلال، التي تجلى شغفه بها في قيامه بتجميعها من على ألسنة الشعراء. وبعد تخليه عن الوظيفة الحكومية، التي قال إنها لم تكن تتفق مع شخصيته، غادر الأبنودي مسقط رأسه متجها نحو الشمال (القاهرة)، ليلحق برفيقه وابن مدينته الشاعر أمل دنقل.

لم يفلح الشاعر الجنوبي الشاب -وفق ما روى- في الوصول لكبار المطربين أو الملحنين الذين لم يبدوا اكتراثا بهذا الشاب النحيل الذي يتحدث لهجة جنوبية صعبة الفهم على آذانهم، غير أنهم راحوا يفتشون عنه على المقاهي وفي ملتقيات الأدباء، بعد أن غنى له المطرب الشعبي الشاب محمد رشدي أغنية "تحت الشجر يا وهيبة" التي حققت رواجا كبيرا وقتها.

بعد نجاح "عدوية" شكل الأبنودي ورشدي ثنائيا لفت أنظار الجميع، وهو ما دفع المطرب عبد الحليم حافظ والملحن بليغ حمدي لالتقاطه، فشكلوا فريقا قدم كثيرا من الأغنيات العاطفية والوطنية، وفي العقود الثلاثة الأخيرة شكل الأبنودي ثنائيا مميزا مع الفنان محمد منير.

رغم خلاف الأبنودي مع عبد الناصر في حياته، فإنه ذهب لتمجيده بعد موته، وقد لخص أسباب هذا في جملته الشعرية "قلبت في كل الوشوش مالقيتش زيه"

الشعر والسياسة
ولم تشغل كتابة الأغاني الأبنودي عن القصيدة السياسية التي كانت مبتدأه ومنتهاه، فكتب مئات القصائد، كما أنه كتب لفلسطين وأطفالها ومقاوميها، فرثى ناجي العلي، وحاكى قمر يافا، ودعم أطفال الحجارة، وكانت أشهر قصائده في هذا المضمار "الموت على الأسفلت".

اعتقل الأبنودي لعدة أشهر خلال فترة حكم جمال عبد الناصر، كما أنه لم يكن على وفاق مع الرئيس أنور السادات، ودفعه موقفه من السادات للانضمام لحزب التجمع اليساري، كما لم تكن علاقته بالرئيس الأسبق حسني مبارك جيدة، وفق روايته.

ورغم خلاف الأبنودي مع عبد الناصر في حياته، فإنه ذهب لتمجيده بعد موته، وقد لخص أسباب هذا في جملته الشعرية "قلبت في كل الوشوش مالقيتش زيه".

الثورة والانقلاب
وأيد الأبنودي ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، وكتب قصيدته "الميدان" التي افتتحها بقوله "آن الآوان ترحلي يا دولة العواجيز". غير أنه أيد انقلاب العسكر -الذين قال لهم ذات يوم "انتو الخونة حتى لو خاني ظني"- على أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، وظل مؤيدا لقائد الانقلاب حتى لفظ أنفاسه، وهو ما أفقده قطاعا من محبيه، وإن لم يفقده مكانته كشاعر لدى كثيرين.

ترك الأبنودي أكثر من 22 ديوانا، أشهرها (السيرة الهلالية، جوابات حراجي القط، وجوه على الشط، الموت على الأسفلت، الأحزان العادية)، وكانت أشهر شخصياته العمة "يامنة".

حصل على جائزة الدولة التقديرية عام 2001، ليكون بذلك أول شاعر عامية يفوز بها، كما حصل على جائزة محمود درويش للإبداع العربي للعام 2014.

وفاته
في عصر 21 أبريل/نيسان 2015 توفى الأبنودي بعد مضاعفات لحقت به بعد جراحة بالمخ، عن عمر ناهر 76 عاما، وقبيل وفاته قال الأبنودي للشعب المصري "أنت أكثر من حدثت له المعاناة ولم ينصفك أحد حتى الآن، لكن أهم شيء أن نحافظ على مصر".

ونعت رئاسة الجمهورية الأبنودي ووصفته بأنه "شاعر عظيم وغيور على وطنه". كما نعاه أدباء ومثقفون، على رأسهم الناقد صلاح فضل الذي قال "إن الحياة الثقافية المصرية والعربية فقدت صوتًا من أعذب وأجمل أقوى الأصوات الشعرية الحديثة".

المصدر : الجزيرة