وُرّطوا في الصراع وباتوا هدفا للانتقام.. إما النظام وإما التنظيم. خياران مُرّان. ذلك وضع اللاجئين الفلسطينيين في مخيم اليرموك الذين يروون قصصا عن الموت والخوف والجوع بعد أن هاموا على وجوههم بحثا عن الأمان.

علاء الدين عرنوس-ريف دمشق

إعادة انتشار مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية لم تشجع النازحين على العودة إلى مخيم اليرموك، الواقع بجنوب العاصمة السورية دمشق حيث لم تسلم أحياؤه الباقية من نيران الاشتباكات التي استمرت أسبوعا كاملا.

ولا يزال المخيم يعاني من قصف طائرات النظام التي تستهدف المواقع الخارجة عن سيطرته بـالبراميل المتفجرة، وفق روايات ناشطين ونازحين.

لكن الخطر الأكبر يتمثل بخضوع كل من يعيش داخل هذه البقعة الواسعة من ضاحية دمشق الجنوبية للخلافات المستعرة بين الفصائل المسلحة.

وأبرز جوانب هذا الخطر أنه ينطبق على المدنيين أيضا، فمبايعة التنظيم تعني معاداة الفصائل المتحالفة لقتاله والقوات الحكومية أيضا.

أخبار أم حسام القادمة لتوها إلى بلدة ببيلا (جنوب دمشق) -مع عشرات النازحات من المخيم- لا توحي بالتفاؤل تجاه الوضع هناك، حيث تجيبُ عن سؤال حول مصدر عمود الدخان المتصاعد بالقول "إنها قذيفة هاون. لم يتوقف القصف".

صار تمييز أنواع القذائف من خلال أصواتها شيئا سهلا بين المدنيين الذين اعتادوا القصف فأصبح جزءا معتادا من حياتهم اليومية.

الحرب حولت مخيم اليرموك إلى مدينة أشباح (ناشطون)

القذائف الشامتة
لكن القصف اتخذ بعدا آخر في هذه الفترة، مع القذيفة التالية صرخت أم حسام قائلة "النظام يشمت فينا، إنها قذائف الشماتة".

وفي غمرة ارتباك الوافدين من النساء والأطفال على مدخل بلدة ببيلا، يشتد صوت الرصاص من جهة المخيم مجبرا الهاربين على السير بخطًى أسرع.

الناشط الإعلامي أبو النور يوضح للجزيرة نت أن إعلان الولاء لأي طرف يعني عداوة الطرف الآخر، مضيفا أن أغلب السكان الذين لم يبايعوا تنظيم الدولة لجؤوا إلى البلدة والمناطق المجاورة طلبا للأمان.

أما الذين بايعوا التنظيم فيخشون من رد الفصائل الأخرى والقوات الموالية للنظام، وفق رواية أبي النور.

مشهد عشرات السيدات المتجمعات أمام المطبخ الميداني يختزل فداحة الوضع. ويقول أبو نادر للجزيرة نت إن ببيلا وحدها استقبلت خلال الأسبوعين الأخيرين ما يزيد على ألفي نازح أغلبهم من النساء والأطفال، في حين يبلغ عدد سكانها الأصليين 13 ألف نسمة.

خلف مشهد الهرب من الموت والجوع تقف سيدة لتقتسم حليب طفلها مع أخرى نازحة، ويبدو الكثير من المشاهد غير قابل للتصديق.

وتحت وطأة تلك المعاناة كان واضحا أن صراع الأطراف داخل المخيم زاد من تفاقم الأوضاع الإنسانية نحو الأسوأ.

أعمدة الدخان لا تزال تتصاعد في سماء مخيم اليرموك (الجزيرة نت)

خوف وجوع
الجزيرة نت تحدثت لعائلة استضافت نازحين لم يحملوا معهم أكثر من الملابس، كما هو الحال مع كل من أتيحت له فرصة المغادرة إلى منطقة أكثر أمنا.

وتشير صاحبة البيت -التي رفضت الكشف عن اسمها- إلى رفوف المطبخ الفارغة إلا من بعض البهارات والحبوب والزيتون المخلل، وتقول "ها هي مؤونتنا وما بقي منها بسبب الحصار، حال ضيوفنا النازحين من حالنا ونعتمد على وجبات الطعام التي يوزعها أهالي ببيلا".

وتقول نازحة فلسطينية ترددت في التحدث إلى الكاميرا إن تنظيم الدولة منع الهاربين من اصطحاب أمتعتهم وحاجاتهم.

وتضيف "تركت صندوق المعونات في البيت وغادرت المخيم فارغة اليدين. الوضع هناك لا يشجعنا على العودة".

ويحظى النازحون القادمون إلى ببيلا المحاصرة بعناية خاصة من سكان البلدة تخفف من وطأة معاناتهم رغم الأوضاع الإنسانية المتردية للسكان الأصليين.

ويشير المسؤول الإعلامي في المجلس المحلي لبلدة ببيلا إلى الحالة النفسية للأطفال النازحين قائلا "بعضهم بحاجة إلى عناية خاصة من تأثير الصدمة والخوف خلال القتال بين المنازل والشوارع".

ويضيف أن الظروف في بلدات جنوب دمشق المحاصرة استنزفت طاقات وموارد المجلس المحلي "الذي يحمل على عاتقه حماية المدنيين الهاربين من القصف والتهديد".

المصدر : الجزيرة