رغم مرور مائة عام فإن أحداث عام 1915 بتركيا عادت مجددا إلى الواجهة، فالأرمن يصفون ما حدث بأنه إبادة، وهو ما ذكره مؤخرا بابا الفاتيكان أيضا، أما الحكومة التركية فترى أن الأحداث أودت بحياة مسلمين وأرمن على حد سواء.

وسيمة بن صالح-أنقرة

يبدو أن أشباح الماضي مستمرة في شد حكومة العدالة والتنمية إلى الماضي، رغم إعلان الأخيرة مضيها قدما لبناء "تركيا الجديدة". فما زال الأرمن يصرون على تحميل الحكومة التركية مسؤولية "الإبادة" التي يزعمون تعرض شعبهم لها عام 1915 ويطالبونها بالاعتراف بذلك ودفع تعويضات عنه، لكن أنقرة تصف ما حدث بأنه "أحداث مؤسفة أودت بحياة أرمن وأتراك مسلمين''.

وقبل الذكرى المئوية لتلك الأحداث التي وقعت في 24 أبريل/نيسان 1915، عاد الجدل حول الموضوع بعدما وصف بابا الفاتيكان فرانشيسكو الحادث بأنه "إبادة جماعية"، وتلا ذلك إقرار البرلمان الأوروبي رسميا هذه العبارة لوصف ما جرى للأرمن.

وأبدى المسؤولون الأتراك وعلى رأسهم الرئيس رجب طيب أردوغان استياءهم من تلك التصرفات، لكنهم أكدوا أن بلادهم لا تعيرها أدنى أهمية لعدم استنادها إلى أي دليل تاريخي أو قانوني.

من جهته، يقول إيرول أوغلو مدير مركز دراسة العلاقات التركية الأرمنية بجامعة أتاتورك بمدينة أرضروم لوكالة الأناضول، إن الدولة العثمانية عام 1915 أصدرت قانون "الترحيل والإسكان" ليس لأهداف دينية أو قومية، بل لإبعاد ''العصابات الأرمنية" التي ارتكبت مجازر في حق المسلمين وخاصة النساء والأطفال والمسنين. واتهم الأرمن بمحاولة "خلط الأوراق وتضليل الرأي العام للتغطية على جرائمهم تلك".

محجوبيان: يجب على الدولة التركية أن تعترف بالإبادة (الجزيرة)

تقاعس أوروبي
كما نشرت صحيفة ميللي التركية وثائق تاريخية قالت إنها تكشف رفض دول أوروبية طلب الدولة العثمانية إرسال قضاتهم للانضمام إلى لجنة التحقيق التي أسستها للتحقيق في أحداث 1915 وكشف الضباط الذين استغلوا وظيفتهم لتهجير الأرمن، حيث رفضت هولندا وسويسرا والدانمارك وإسبانيا المشاركة بدعوى أن هذه "اللجنة لا تناسب مصلحتها وغير ضرورية لها"، بحسب الصحيفة.

من جهة أخرى، أشار الأرمني إيتيان محجوبيان كبير مستشاري رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو إلى "ضرورة اعتراف الدولة التركية بالإبادة".

وقال محجوبيان -في تصريحات صحفية- إن المسألة الأرمنية يجب أن تطبق فيها نفس القاعدة التي تصف الأحداث في أفريقيا والبوسنة بأنها "إبادات". وأثنى على تصريحات البابا واصفا إياها بأنها بمثابة "إزاحة ثقل ضغط نفسي" عن كاهل الفاتيكان حملته مائة سنة.

وشدد على أن تلك الكلمة إضافة إلى قيمتها السياسية، تمثل قيمة معنوية مهمة بالنسبة للأرمن. لكنه أكد أن الأهمية لا تكمن في الكلمة نفسها بل في قبول الدولة التركية مواجهة ماضيها واستخلاص دروس منه.

رسالة من الدولة العثمانية إلى سفارات أوروبية للانضمام للجنة تحقيق بشأن الأرمن (الجزيرة)

لوبيات الشتات
أما الشاب الأرمني غريغور ماروتيان فقد أكد للجزيرة نت أن أرمن تركيا يطالبون حكومتها فقط بالاعتراف بـ"الإبادة" والسماح بفتح تحقيق فيما حصل. ورفض استغلال الموضوع سياسيا وإذكاء مشاعر العداء لتركيا من قبل أرمن الشتات.

وحسب رأيه، فإن "البابا لم يكن ليتجرأ على التفوه بتلك الكلمة دون أن يكون لديه مكسب في الأمر". وأشار إلى أن الفاتيكان حريص على عدم إغضاب أرمن الشتات الذين فتحوا حسابات بنكية داخله، بحسب أحاديث أفاد الشاب الأرمني أنه يتم تداولها داخل صفوفهم.

كما اعتبر قرار البرلمان الأوروبي انصياعا لمطالب "لوبيات أرمن الشتات، وخاصة أرمن فرنسا، الذين يسعون لاستغلال الذكرى المئوية لإشعال نيران الجدل حول الموضوع ضد تركيا، بهدف الحصول على مكاسب داخل أرمينيا".

وأضاف أن لفرنسا دورا في هذا "لكونها من أشد المعارضين لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي".

ويقول الأرمن إن مليونا ونصف مليون أرمني قتلوا بين عامي 1915 و1917، لكن أنقرة ترفض هذا الادعاء وتقول إن حوالي 350 ألف أرمني ومثلهم من الأتراك المسلمين قتلوا عندما انتفض الأرمن وتحالفوا مع القوات الروسية ضد الدولة العثمانية.

وتؤكد تركيا أنها دعت أرمينيا إلى فتح أرشيف الدولتين بهذا الخصوص، لكن الأخيرة ترفض ذلك وتعتبر أن القضية "غير قابلة للنقاش".

المصدر : الجزيرة