وكأن حصار وقصف قوات النظام السوري لا يكفيان أهالي غوطة دمشق الشرقية، لتأتي العوامل الطبيعية وتقضي على آخر أحلامهم وآمالهم، ويتحول نهر بردى وأفرعه التي اشتهرت بها دمشق وغوطتها لكارثة تهدد محاصيلهم الزراعية وحياتهم اليومية.

سلافة جبور-دمشق

للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاثين عاما، يفيض نهر بردى في غوطة دمشق الشرقية، ليغرق مئات الدونمات من الأراضي الزراعية متلفا محاصيلها، ويشكل مستنقعات تهدد بانتشار الأمراض والأوبئة خلال فصل الصيف القادم، ليضيف صعوبة أكبر على حياة الأهالي الذين يعانون من حصار النظام السوري.

ويشكل ذلك للمزارع أبو محمد كارثة كبيرة، فقد أمضى الأشهر الماضية في زراعة الحقل الصغير الذي يملكه، ودفع كل ما يملك ثمنا للبذور والوقود اللازمين للزراعة، ليقف اليوم مكتوف اليدين أمام ما يحدث.

ويقول أبو محمد بحسرة -وهو يتحدث للجزيرة نت- إن ما حصل يتطلب جهودا كبيرة لإعادة تأهيل الأراضي الزراعية التي خسرها هو وغيره من المزارعين، كي يتمكنوا من العمل بها مجددا، وهو أمر يفوق طاقة أغلب أهالي الغوطة الشرقية الذين أنهكهم حصار النظام السوري لأكثر من عامين.

وفي حديث للجزيرة نت مع المهندس محمد الرفاعي، وهو رئيس المكتب الخدمي في قطاع المرج بالغوطة الشرقية، يقول بأن الأمطار والثلوج الغزيرة التي هطلت هذا الشتاء، إضافة لإهمال تنظيف مجاري الأنهار بسبب ارتفاع التكلفة، تسببا في فيضان نهر بردى بهذه الطريقة.

إهمال تنظيف مجاري الأنهار أدى إلى حدوث الفيضان في نهر بردى (الجزيرة)

مشكلة تراكمية
ويوضح الرفاعي ذلك بقوله "نتيجة ارتفاع منسوب المياه الجوفية، انفجرت هذا العام مجموعة من الينابيع التي بقيت جافة طيلة 25 عاما، الأمر الذي أدى لعجز الأنهار عن تصريف كميات المياه الكبيرة، ويعود ذلك لإهمال سابق عمره أكثر من أربع سنوات".

ففي السابق كانت اللجان الفلاحية مسؤولة عن عمليات تنظيف الأنهار وكرايتها -وهي عملية توسعة مجرى النهر وتنظيفه من الرواسب والطمي باستخدام آليات ثقيلة كالجرافات- بالاعتماد على جهود الفلاحين بالدرجة الأولى، لكن الحصار وانقطاع الوقود وارتفاع ثمنه بشكل كبير جعل هذه العمليات مكلفة للغاية، ولم يعد بمقدور الفلاحين القيام بها.

وينوه الرفاعي إلى أن النظام تعمد في الأشهر الماضية تحويل المياه التي كانت تتجه للقطاع الجنوبي من الغوطة كبلدات المليحة وزبدين إلى قطاع المرج -الذي يعد أكبر قطاعات الغوطة، وتدور فيه معارك عنيفة- وذلك بهدف إغراق حقوله.

وساهم سوء حال مجاري الأنهار وانسداد الكثير منها بسبب وقوعها على خط الجبهة في نجاح خطة النظام، كما أن عدم استخدام بعض أحواض تجمع المياه من قبل الفلاحين بسبب ارتفاع أسعار الوقود اللازم لذلك، إضافة لردم بعض أفرع النهر التي جفت منذ سنين وبناء بعض المنازل فوقها، كل ذلك تسبب في فيضان النهر وإغراق الأراضي وتهديم عدد من المنازل.

وبحسب الرفاعي، غرقت كل الأراضي المنخفضة والقريبة من مجاري الأنهار، حيث سُجل غرق نحو 1000 دونم ودمار محاصيلها بشكل كامل، إضافة لانغمار أراضٍ كثيرة أخرى لوقت طويل مما سيجعل احتمال إنتاجها لأي من المحاصيل ضعيفا للغاية.

الفيضان أدى لتلويث مياه الآبار الجوفية التي يعتمد عليها الأهالي في الشرب (الجزيرة)

آثار أخرى
ولا تقتصر آثار فيضان النهر على إغراق المحاصيل، بل تتعداها لتلويث مياه الآبار الجوفية والتي تعد الأنهار المغذي الرئيسي لها. ويشكل ذلك أزمة جديدة للأهالي الذين يعتمدون على مياه الآبار للشرب بسبب انقطاع المياه في الغوطة، كما أن الحشرات الناقلة للأمراض بدأت بالانتشار بشكل كبير بسبب تشكل المستنقعات، الأمر الذي سينذر بكارثة جديدة مع حلول فصل الصيف.

ويتمنى الرفاعي أن تلقى هذه المشاكل آذانا صاغية لدى الهيئات والمؤسسات القادرة على علاجها، فالغوطة الشرقية تحتاج لمشاريع كبيرة تهتم بتنظيف الأنهار وكرايتها، ورغم امتلاك الأهالي للمعدات والخبرات فإن تكلفة تلك العمليات باهظة وتفوق قدراتهم.

كما أن تسليط الضوء على ظاهرة تلوث المياه ومخاطرها والبحث عن حلول لها يعد من أهم المتطلبات الحالية، وذلك لتفادي انتشار الأمراض في الغوطة المحاصرة وتجنيب الأهالي المحاصرين هموماً ومتاعب هم في غنى عنها.

المصدر : الجزيرة