بعد أن حال الاحتلال دون تواصل سكان الضفة الغربية مع المسجد الأقصى والمدينة المقدسة، بادر طبيب العيون عبد اللطيف أبو صفاقة لتسيير حافلات من مدينة قلقيلية والقرى المجاورة لزيارة الأقصى بأسعار مخفضة، متحملا من جيبه الخاص الجزء الكبير من التكلفة.

عاطف دغلس-قلقيلية


لعل حلما كان يراوده طوال حياته بأن يصبح أحد عُمّار المسجد الأقصى تحقق لطبيب العيون الفلسطيني عبد اللطيف أبو صفاقة، بعد أن حُرم ذلك سنوات عديدة بسبب حصار الاحتلال الإسرائيلي وإغلاقاته المتواصلة لمدينة القدس.

فمنذ أقل من عام، اختار أبو صفاقة طريقته في دعم الأقصى بإعماره بالمصلين -خاصة من أهالي الضفة الغربية التي يُحرّم الاحتلال عليهم دخولها إلا بشروط مسبقة- كأيسر الطرق وأسرعها تواصلا مع المدينة المقدسة ومسجدها.

وفي مدينته قلقيلية شمال الضفة، أطلق أبو صفاقة حملة "أعمروا أقصاكم" وبدأ بتطبيقها قبل أقل من عام بعدد قليل من المواطنين، ثم توسعت لتصل قرى المدينة وتتضاعف معها أعداد المصلين.

ويقول أبو صفاقة للجزيرة نت إن إعمار الأقصى شكّل هاجسا له، خاصة في ظل المنع الإسرائيلي وحصاره للمدينة، "ولذا كان لا بد من تسيير قوافل الإعمار لتثبيت التواجد الفلسطيني فيه".

 أبو صفاقة بادر بنقل المواطنين إلى الأقصى لإعماره بالصلاة وحمايته (الجزيرة)

جهد ذاتي
وقبل أن يُطلق مشروعه، جاب أبو صفاقة مساجد المدينة لنقل فكرته للمواطنين الذين أولوها اهتمامهم وشرعوا بالتسجيل بها، سيما وأن تمويلها كان على نفقته الخاصة، ويرى أنها "جهاد صغير" في ظل عمليات التهويد الإسرائيلية التي تتعرض لها مدينة القدس والمسجد الأقصى.

وبعد أشهر قليلة، لاقت الفكرة رواجا كبيرا فحظيت بدعم رسمي من محافظة قلقيلية، التي تكفلت بأجرة الحافلات لفترة من الزمن، ويُشير الطبيب أبو صفاقة إلى أنه بعد انتهاء دعم المحافظة، تقرر أخذ مبلغ لا يزيد على خمسة دولارات من المواطن مقابل نقله، ويقوم أبو صفاقة بدفع باقي الأجرة منه شخصيا.

وأوضح قائلا "الحافلة الواحدة تحتاج لنحو أربعمائة دولار، ومجموع ما يدفعه المواطنون لا يكفي، وأنه يتكفل بدفع بقية المبلغ، مشيرا إلى أن "محسنين" تقدموا بجزء من المساعدة المالية من أجل الاستمرار بالحملة وتقدمها.

الحملة حققت عدة أهداف بالتواصل مع الأقصى والرباط فيه، مثل التحاق المصلين بحلقات علوم القرآن وتلاوته وتجويده، إضافة لتحقيق المنفعة الاقتصادية بالتبضع من أسواق البلدة القديمة التي تواجه الترحيل والطرد الإسرائيلي.

ويُشير أبو صفاقة إلى أن "خمسمائة مواطن يخرجون معه بشكل أسبوعي يمكنهم أن يسهموا بتحسين الوضع الاقتصادي ولو بشكل يسير، مبينا أنهم يسعون لدعم أكبر عبر دعم المدارس في المسجد الأقصى خاصة، وفي مدينة القدس بعمومها، عبر مبالغ بسيطة يجمعها الأهالي أسبوعيا".

وحتى وقت قريب، ظلت إسرائيل تحرم الفلسطينيين من الضفة وقطاع غزة الدخول للقدس إلا بتصاريح مسبقة ولمن أعمارهم فوق ستين عاما، لكنها سهلت من جديد دخولهم وبدون تصريح وخفضت العمر قليلا.

 أبو تقي: الرحلات باتت أكثر تنظيما ونعمل على ضم العمال ممن لديهم تصاريح (الجزيرة)

رباط وإعمار
وتنطلق الحافلات من معبر مدينة قلقيلية الشمالي كل يوم جمعة متجهة نحو القدس، متحدية حواجز الاحتلال وعوائقه التي يفرضها على المصلين، وخاصة في محيط المسجد الأقصى، وفق محمد أبو تقي (63 عاما) مرشد إحدى الحافلات.

وقال أبو تقي للجزيرة نت إنهم أصبحوا منظمين بشكل أكبر وأنهم يقدمون الخدمات التي يحتاجها المواطنون، وهو ما ساعد على انتشار الحملة وتوسعها، مشيرا إلى أن الفكرة بدأت تتسع لديهم بضم العمال الذين لديهم تصاريح دخول لإسرائيل للذهاب للأقصى في غير أيام الجمعة.

أما الحاج ماجد داوود (69 عاما) فأكد أنه يسجل بهذه الحملة منذ بدايتها، وأن فكرتها رائعة، وأنها تجعلهم في تواصل مستمر مع الأقصى والرباط فيه، وفي تحدٍ للاحتلال الإسرائيلي بدءا من انطلاقهم من منازلهم حتى دخولهم للقدس وتحديهم للاحتلال.

المصدر : الجزيرة