يبدو أن لبنان رغم سياسة النأي بالنفس المعلنة عن الحرب السورية، أصبح موجودا في كافة تفاصيل الحرب بداية بالمشاركة في القتال ومرورا بخطف العسكريين ووصولا إلى احتجاز فصائل المعارضة المسلحة سائقين لبنانيين.

أسامة العويد-عكار

تعد زينة الساعات لوصول والدها بدر علوان أحد السائقين اللبنانيين الذين احتجزتهم جبهة النصرة أكثر من أسبوع بعد سيطرتها على معبر نصيب الحدودي مع الأردن.

تتلفت يمنة ويسرة من شرفة منزلها في حي بان عليه الفقر المدقع في سهل عكار شمالي لبنان، تترقب لحظة الوصول.

وخرج علوان مع سبعة سائقين آخرين من مطار بيروت الدولي، بعدما أفرجت عنهم جبهة النصرة ومكثوا في درعا "بحماية الجيش الحر"، وبعد تدخل من وزير الزراعة اللبناني أكرم شهيب ورئيس الحكومة تمام سلام استطاع السائقون العودة إلى بيوتهم.

ثم أفرج في وقت متأخر من مساء أمس عن السائق التاسع ويدعى حسن الأتات الذي عاد من نقطة المصنع الحدودية مع لبنان التي يسيطر عليها النظام السوري، وتتحدث وسائل الإعلام اللبنانية عن أن ذويه دفعوا فدية مالية مقابل الإفراج عنه.

أهالي السائق بدر علوان فرحون بعودته سالما (الجزيرة)

فرحة وزغاريد
الجزيرة نت زارت منزل بدر علوان قبل وصوله بدقائق، كان الصمت يخيم على المكان، زوجته تحبس أنفاسها وتكتم فرحتها حتى تكحل عينيها برؤية زوجها، أما الجيران فقد جهزوا "الطبول والمزامير" للاحتفال بعودة جارهم.

ورغم حالة الفقر التي لاحظناها لدى وصولنا إلى الحي، فإن المحبة والفرحة كانتا تعمان المكان، الكراسي رتبت في باحة دار الجار والنسوة خرجن ينتظرن "عودة بدر".

تخرق أبواق السيارات صمت المكان، ويصرخ أحدهم "وصل بدر إلى داره الذي خرج منها في 28 من الشهر الماضي بحثا عن قوت أبنائه الثمانية (7 فتيات و صبي)"، تبدأ الطبول والمزامير العزف، وتتوالى المفرقعات النارية، ويُطلق العنان لبنادق الصيد.

يتدافع الجميع للسلام على "بدر" الذي حمل طفلته الصغير آية، في حين بقيت الزوجة متسمرة على درج المنزل والدمع ينهمر منها، حان اللقاء وبدأ العناق، وحمدت ربها أنه رد رب الأسرة إليها سالمًا معافى.

تصرخ إحدى الجارات "الحمد لله على سلامتك يا بدر ربنا لا يضرنا فيك ويجعلك بين أهلك وعيالك دومًا" ثم تطلق "زغاريد الأعراس".

بدر يحضن طفلته الصغيرة آية بعد عودته من مطار بيروت (الجزيرة)

أناس كرماء
ابنته الكبرى زينة ارتمت بين أحضان والدها وأخواتها، تبكي دموع الفرح وتهنئه بالعودة. أما والد بدر الذي بقي صامتا لفترة من صدمة الفرحة فقال للجزيرة نت قبل لحظات من الإفراج عن ابنه "فليذهب المال كله وليبق ابني فهو أغلى ما لدي".

وسط هذه الفرحة يشرح بدر -في حديث للجزيرة نت- رحلة الاحتجاز ويقول "الحمد لله وقعنا بين يدي أناس كرماء يخافون الله، عاملونا أفضل معاملة -أقصد جبهة النصرة- كان الطعام يأتينا كل يوم، ولكن كانت الحرب دائرة فوقنا، مكثنا حوالي أسبوع عندهم ثم قضى شيخ دار العدل في المنطقة هناك بخروجنا. أتوجه له بالشكر. خرجنا بعدها إلى معارف لنا في درعا وهم أهل خير وكنا في حماية الجيش السوري الحر الذي لم يسئ لنا أيضا، بعدها تدخلت الحكومة اللبنانية مع الجهات المعنية في الأردن وسمحوا لنا بالعودة عبر معابرها، أنا اليوم بين أهلي ولدت من جديد أحمد الله على كل شيء".

يذكر أن هناك سائقين لبنانيين لا يزالون عالقين مع شاحناتهم في المملكة العربية السعودية ولا يستطيعون العودة بعد إغلاق معبر نصيب الأردني، وتقول الحكومة إنها تدرس كل الإمكانيات لإعادتهم إلى لبنان لأن "هذا الأمر مكلف ماديا".

المصدر : الجزيرة