المهن الهامشية بالسودان.. سبيل رزق للنساء
آخر تحديث: 2015/4/14 الساعة 19:08 (مكة المكرمة) الموافق 1436/6/25 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2015/4/14 الساعة 19:08 (مكة المكرمة) الموافق 1436/6/25 هـ

المهن الهامشية بالسودان.. سبيل رزق للنساء

نساء سودانيات يبعن منتجاتهن على قارعة الطريق بسوق أم درمان الكبير في الخرطوم (الجزيرة)
نساء سودانيات يبعن منتجاتهن على قارعة الطريق بسوق أم درمان الكبير في الخرطوم (الجزيرة)

إيمان مهذب-الخرطوم

تزدحم الحركة في سوق أم درمان الكبير غرب العاصمة الخرطوم لدرجة لا يكاد المتسوقون يشقون طريقهم وسط جيش العربات الصغيرة -أو "الركشة" كما يطلق عليها بالعامية السودانية- التي تملأ المكان.

توجد في السوق محلات نظامية، إلا أن أعدادا غفيرة من الباعة المتجولين البسطاء لا يجدون غير الأرصفة ليفترشوها ويعرضوا عليها بضاعتهم، التي غالبا ما تصادر حرية الحركة من الزبائن ومرتادي السوق.

تختلط الألوان والروائح وتتنوع الصور في هذه السوق التي تعد وجهة الكثيرين لانخفاض الأسعار فيها، والتي تعد أيضا مكانا مفضلا للباعة الصغار وللعاملين في القطاع غير المنظم.

وكغيره من الأماكن الأخرى، لا تغيب المرأة السودانية العاملة الكادحة عن هذا المشهد، إن لم تكن هي الطاغية عليه.

تقول إحداهن للجزيرة نت إنها تعمل منذ عشر سنوات في هذه السوق، وإنها مثقلة بالمشاكل نفسها التي يعانيها غيرها من العاملات في مهن هامشية خارجة عن القطاعات المنظمة، إلا أنها ظلت تبتسم وهي تتابع: "دورنا مهم فنحن نعيل أسرنا ونقدم لهم الكثير بهذه التضحيات".

تجلس النسوة ساعات طوالا تحت الشمس حتى ينفد ما لديهن من بضاعة (الجزيرة)

مهنة وحلم
غير بعيد عن هذه المرأة، وحول طبق من الفول والسلطة تجمعت هادية محمد (32 عاما) وزميلاتها للأكل والاستراحة، دقائق قليلة يقتطعها هؤلاء النسوة من يوم مليء بالمشاغل، يوم يقضين معظم ساعاته في سوق أم درمان لبيع ما يصنعنه من أطعمة سودانية ومنتجات يدوية تقليدية.

ترتشف هادية بعضا من الشاي ثم تأخذ كرسيها وتعود لبيع "الكسرة" -وهي نوع من الخبز الرقيق المصنوع من الذرة يستخدم في صنع الأطعمة الشعبية- ثم تقول بكلمات متقطعة "ورثت هذه المهنة عن أمي، كنت أخرج معها للسوق منذ سنّ صغيرة وحتى بعد زواجي لم يتغير الحال".

لا تريد هادية أن تترك عملها البسيط في بيع "الكسرة" حتى تحقق حلمها بشراء بيت صغير، وتضيف "زوجي يعمل حرا، وأنا أعمل هنا.. على الرغم من المصاعب فأنا أوفر مالا يساعدني على تعليم ابنتي الوحيدة وتوفير مصاريف أخرى".

ولا تترك هادية مكانها في السوق إلا بعد بيع كل ما خبزته من رقائق "الكسرة"، وغالبا ما يستغرق ذلك ساعات طويلة ومتعبة، إلا أن الأهم بالنسبة لها هو ما تجنيه من مال.

النساء العاملات في السوق ينحدرن من خلفية بسيطة، وعادة ما يغلب عليهن الخجل من الغرباء، لذلك تفضل زميلات هادية الصمت، إلا أن إحداهن قالت بتحفظ "كل ما تقوله هادية يعبّر عنا.. ظروفنا هي ذاتها مع اختلافات بسيطة".

وقد تختلف التفاصيل هنا أو هناك، إلا أن الظروف التي دفعت الآلاف من النساء العاملات في المهن الهامشية بالسودان إلى ترك بيوتهن والنزول إلى السوق تكاد تكون واحدة وهي في الغالب اقتصادية أو اجتماعية.

آلاف السودانيات يعملن ببيع الشاي والقهوة بحسب إحصاءات رسمية (الجزيرة)

أرقام ودلالات
وبحسب بعض الإحصائيات الرسمية التي نشرت في 2013 عن ولاية الخرطوم فإن العاملات في بيع القهوة والشاي من النساء، يبلغن نحو ألفي سيدة سودانية تتراوح أعمارهن بين ثلاثين وأربعين عاما.

كما تشير الأرقام أيضا إلى أن الأجنبيات العاملات في هذه المهنة يبلغ عددهن نحو 1800 امرأة، تتراوح أعمارهن بين 15 و30 عاما، إلا أن هذه الأرقام قد لا تعبر عن واقع الحال، كما أنها لا تشمل اللائي يزاولن مهنا أخرى غير بيع القهوة والشاي.

وبحسب أستاذ الاقتصاد في جامعة أم درمان الإسلامية محمد سرّ الختم فإن النساء يلجأن للعمل في مهن هامشية غير منظمة بسبب ضعف تكلفة الإنتاج، وضعف قدراتهن على التنافس في مجالات أخرى.

ويرى سرّ الختم أن هذا القطاع لا يحظى باهتمام من الدولة، على الرغم من الخدمات الحقيقة التي يقدمها للناس وفرص العمل التي يقدمها للنساء المعيلات لمئات آلاف العائلات.

أسباب ومصاعب
من جهتها، ترجع مديرة مركز سيما للتدريب وحماية حقوق المرأة والطفل ناهد جبر الله، سبب تضاعف إقبال النساء على هذه المهن غير المنظمة، إلى الأزمة الاقتصادية والحرب والنزوح، إضافة إلى عوامل الفقر وغياب التوازن الأسري.

وترى ناهد أن النساء هن اللاتي دفعن الثمن الحقيقي لهذه الأوضاع، مشيرة إلى أن العاملات في هذا القطاع المهمش يعانين بشكل مزدوج من طول ساعات العمل وغياب القوانين المنظمة.

ويكمن الحل بحسب تصريحات ناهد للجزيرة نت في "توجه الدولة لمعالجة الأزمة الاقتصادية وقضايا الحرب وفي ضرورة سنِّ قوانين منظمة للقطاعات الإنتاجية المختلفة".

وتختم ناهد جبر الله حديثها بالتأكيد على أن الظروف هي التي حكمت على هؤلاء النسوة بالعمل، وعلى الرغم من تأكيدها على أن العمل حق وواجب فإنها تكرر القول "الوضع الاقتصادي وانعدام الأمن هو الذي دفع هؤلاء النساء للعمل في مهن مهمشة".

المصدر : الجزيرة

التعليقات