يشترك سائقا سيارة الأجرة حسب الرسول وصالح في أمنية "إصلاح الوضع في السودان"، أحدهما قرر الانتخاب والآخر فضّل عدم الذهاب بسبب الانشغال ولعدم ثقته في جدواها. يتقارب الرجلان في السنّ ويشتركان في أنهما عاشا سنوات في الغربة، لكنهما يختلفان بشأن السياسة.

إيمان مهذب-الخرطوم

قد تتقاطع طرق سائقيْ سيارة الأجرة أحمد حسب الرسول (62 سنة) ومحمد صالح (64 سنة) وتلتقي في شوارع العاصمة الخرطوم، كما تتقاطع الأفكار بينهما وتتفق بشأن الانتخابات والشأن الاقتصادي والأحوال المعيشية في السودان.

يحفظ كل من السائقين المخضرمين شوارع العاصمة عن ظهر قلب، يعرفان أسماءها وأهميتها وتاريخها كما يعرفان "مطباتها" التي لا تختلف كثيرا عن مطبات الحياة.

يبدأ حسب الرسول يومه باكرا مع كل صلاة فجر، يكرر طقوسه اليومية ثم ينتشر بحثا عن "الرزق" كما يقول، وأمام أحد الفنادق الكبرى المطلة على النيل يقف يوميا في انتظار زبائن يفضل أن يكونوا من الأجانب.

حسب الرسول: اختيار من يمثل الشعب أمر يعود إلى الضمير (الجزيرة نت)

يوم جديد
لا يبدو اليوم الاثنين مختلفا كثيرا لدى حسب الرسول، وكل ما يهمه فيه أن يؤمِّن رزق أولاده الثمانية.

يجوب هذا السائق شوارع الخرطوم التي بدت فيها حركة المرور خفيفة عند الساعة الثامنة والنصف بالتوقيت المحلي (الخامسة والنصف بالتوقيت العالمي)، بينما تنتشر سيارات الأمن وقوات الشرطة في المناطق الرئيسية وأمام مراكز الاقتراع.

يدرك حسب الرسول أن هذا اليوم بداية الانتخابات البرلمانية والرئاسية، ويؤكد على أهمية المشاركة فيها لاختيار "الرجل المناسب في المكان المناسب"، كما يؤكد على أن اختيار من يمثل الشعب أمر يعود "إلى الضمير وتحكيم العقل".

انتخاب ومسؤولية
بين الشوارع الفرعية لمنطقة "السجانة" جنوب الخرطوم، تُحرّك الرياح الخفيفة وحركة السيارات غبار الطرق غير المعبدة، بينما تسرع بعض النسوة للتوجه لمركز اقتراع المنطقة والإدلاء بأصواتهن وسط حضور غير لافت للرجال.

يوقف حسب الرسول سيارته أمام المركز الانتخابي ويتوجه لإلقاء التحية على إحدى قريباته التي تعمل ضمن فريق المفوضية القومية للانتخابات.

"هنا يطلع الجميع على أسمائهم قبل الدخول والاقتراع"، يوضح حسب الرسول ذلك للجزيرة نت ثم يضيف "اسمي ليس في هذه الدائرة، عليّ أن أتجه لدائرة القوز2 التي سجلت فيها".

الانتخابات السودانية تتواصل حتى 15 أبريل/نيسان الحالي (الجزيرة نت)

وعلى الرغم من تأكيده على ضرورة الانتخاب، فإن هذا السائق يرفض تعدد الأحزاب بل يفضل أن يكون الحاكم قويا وحتى متسلطا لتنعم البلد بأمن افتقدته بلدان عربية دخلت في حلقة الاقتتال.

يمضي حسب الرسول بعد أن أدلى بصوته نحو طريق لا يختارها بل يختارها الزبون الذي "يسوقه القدر إليه" كما يقول، لكنه يظل يكرر الأمنية ذاتها "أتمنى أن يحاسب كل من أكل من مال المواطن السوداني الكادح والفقير".

مسار مختلف
تستيقظ "العاصمة المثلثة" تدريجيا، وتبدأ حركة المرور بالازدحام. في طريق آخر يسير السائق محمد صالح، غير مهتم بما يحدث في البلاد. 

لا يعرف الرجل الستينيّ الذي غزى الشيب كل شعره شيئا عما يحدث، يقول إن الانشغال دفعه لعدم تسجيل اسمه في قوائم الناخبين وبالتالي لا يحق له الانتخاب.

قد يكون عامل الوقت مهما لهذا الرجل الذي يقود سيارته المتهالكة منذ سبعينيات القرن الماضي، لكن عامل عدم الثقة قد يكون له دور كذلك، فهو يقول "لا أعتقد أن صوتي سيغيّر شيئا، لم أشارك حتى مرة في أية انتخابات، تتعاقب السنوات والأمر على حاله".

صالح لم ينتخب لعدم ثقته في العملية الانتخابية ولانشغاله (الجزيرة نت)

أمل مشترك
لا يهتم صالح كثيرا بحال السياسة وشؤونها، كل ما يهمه أن يتحسن الوضع وأن "يولي الله من يصلح".

يقف هذا السائق عند الإشارة الحمراء، يكرر الجملة ذاتها مع إقرار بصعوبة الحياة اليومية وارتفاع تكلفة الحياة المعيشة، لكنه لا يقطع رجاءه في "رحمة الله".

في الشارع تتواصل الحركة عادية، ويمضي الناس لشؤونهم اليومية مستفيدين من يوم عطلة أعلنته الحكومة في وقت متأخر من ليل أمس الأحد.

يوم انتخابي أول قد يكون عاديا لدى البعض ومهما لدى آخرين، وعلى اختلاف التوجهات والاختيارات يبقى أمل تحسن الأوضاع وتحقيق الاستقرار أمرا مشتركا لدى الجميع.

المصدر : الجزيرة