يحاول الأسرى الفلسطينيون المحررون من سجون الاحتلال إيصال معاناة من بقوا وراء قضبان السجون، وذلك بوسائل عديدة منها إقامة معرض في نابلس يحاكي مأساتهم، وخصوصا أن بعضهم يقبع في غياهب السجون لعشرات السنوات.

عاطف دغلس-نابلس

لم يكن واقع السجون الإسرائيلية التي جاب الأسير الفلسطيني محمد عارضة معظمها خلال فترة اعتقاله البالغة ست سنوات، يختلف كثيرا عن حال معرضه الذي نظمه مع أسرى محررين في مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، وجسدوا فيه السجن الإسرائيلي على حقيقته وبكل مراحله.

ولا يخال زائر المعرض -الذي حمل عنوان "الحرية للأسرى القدامى"- سوى أنه في سجن حقيقي تماما، حتى أن من زاره من المواطنين والشخصيات الرسمية كوزير الأسرى عيسى قراقع أكد أنه يُجاري كثيرا واقع السجون الإسرائيلية بكل تفاصيلها.

ويركّز المعرض الذي افتتح السبت الماضي ويستمر على مدار أسبوعين، على الاعتقال من لحظاته الأولى بدءا بمداهمة منزل الأسير وتفتيشه واقتياده مقيد اليدين والرجلين، ثم التحقيق بمراحله وأيامه التي تزيد على تسعين يوما أحيانا بواقع جلسة أو أكثر يوميا، ثم العزل داخل الزنازين والتعذيب بطرق عدة كان "الشبح" أسوأها، وفقا لعارضة.

وأضاف -في حديثه للجزيرة نت- أنه "حتى عيادة السجن لم تخرج عن سياق القمع والإذلال للأسرى، وهو ما جسده المعرض فعلا".

عارضة: واقع السجون الإسرائيلية لا يختلف كثيرا عن حال المعرض (الجزيرة)

زنازين ومجسمات
ولم يقتصر الأمر على غرف صامتة وأبواب طُليت باللون الأزرق ووضعت فوقها السلاسل والأسيجة الحديدية في صورة واقعية للسجن، بل خرج هذا الصمت عن المألوف فتشكلت معاناة الأسرى عبر مجسمات لهم ولسجّانيهم بشيء من الدقة يلفت الانتباه ويُضفي واقعية أكثر.

وبهذا يقول منسق المعرض خالد أبو كاملة، إنهم أرادوا للزائر معايشة حقيقة الاعتقال وتفاصيل يومياته، حيث كان ولا يزال الخطر الذي يهدد كل الفلسطينيين الذين يرزحون تحت نيره.

ويضيف أبو كاملة الذي أمضى تسع سنوات داخل المعتقلات، إن السجن (المعرض) لا يرسخ حيثيات الاعتقال وآلامه لزواره فقط، بل بينت زواياه معاناة الأسرى عامة والقدامى على وجه الخصوص.

كما عكس تضامنا مع الأسرى المحررين أنفسهم، حيث تُفسر شروحات يقدمها بعض أولئك الأسرى للزوّار تفاصيل أكثر حول التحقيق وغرف العصافير (الجواسيس) والتعذيب النفسي الذي يمارسه ضباط السجن وغير ذلك الكثير.

وداخل الزنازين جسّدت المجسمات الأسرى القدامى أنفسهم، حيث ظهر كريم يونس عميد الأسرى الفلسطينيين والذي مضى على اعتقاله 33 عاما وهو يخط مقولته الراسخة "مهما صنعتم بجسدي لن تنالوا من عزيمتي"، إضافة لعبارات أخرى خطها الأسرى حملت الحنين والشوق والتطلع للحرية.

أبو كاملة: المعرض لا يرسخ حيثيات الاعتقال وآلامه لزواره فقط بل بينت زواياه معاناة الأسرى (الجزيرة)

الأسرى القدامى
ولم تلتزم إسرائيل بإطلاق الدفعة الرابعة من الأسرى القدامى (أسرى ما قبل أوسلو) والمقدر عددهم بثلاثين أسيرا رغم إفراجها عن مائة أسير منهم ضمن ثلاث دفعات مقابل العودة لجولة جديدة من المفاوضات في يوليو/تموز 2013.

ولهذا يقول محمد الصيرفي، مسؤول ملف الأسرى في مخيم عسكر، إحدى الجهات القائمة على المعرض، إنه لا بد من التركيز على قضية الأسرى القدامى وإبقائها متصدرة أي نشاط سياسي فلسطيني، وأكد أن خيارهم بتسمية المعرض باسمهم وجعل مجسماته تمثل هؤلاء الأسرى بعث برسائل مهمة لكل الفلسطينيين من سياسيين وجماهير للاهتمام أكثر بقضيتهم.

وأوضح الصيرفي أن السجن الذي جسدوه كان بشقيه: المباني الحجرية بما احتوته من الزنازين والغرف إضافة لسجن الخيام (النقب) ليظهروا المعاناة كاملة، وشملت بعض زواياه الأسرى المبعدين.

أما ذوو الأسرى فقد رأوا في هذا السجن (المعرض) إسقاطا حقيقا لواقع السجون الإسرائيلية، يقول صلاح أبو فايد شقيق الأسير سمير المحكوم بالسجن 18 عاما، إنه يقارب بشكل كبير سجون الاحتلال التي لما تنتهي عذاباتها للأسير وذويه حتى اللحظة.

ويضيف أبو فايد للجزيرة نت إن المعاناة مزدوجة بين الأسير وذويه ومضاعفة في الوقت نفسه للأسير ذاته، لافتا إلى أن ما ميّز السجن أكثر هي المعلومات التي قدمها أسرى محررون من القائمين عليه، وتفاصيل عن حيثيات الاعتقال وطرق التحقيق وغيرها، مما شكل حالة من الوعي لدى الزوّار.

المصدر : الجزيرة