يجلس الطالب في الهندسة الكهربائية عبد الله محمود وأصدقاؤه على متن مركب ثابت على النيل، لا يهتم -كشأن رفاقه- بالشأن السياسي ولا بالعملية الانتخابية، بل حتى لا يعرف بعضهم أسماء المرشحين، وكل ما يعرفونه أن الوضع سيبقى على حاله.

إيمان مهذب-الخرطوم


يستمتع الجالسون على ضفة نهر النيل الأزرق وتحت جسر جزيرة "توتي" في العاصمة الخرطوم بالنسائم العليلة، بينما تفترش بعض النسوة قارعة الطريق لبيع قطع من حلوى "السمسمية" وحبات فاكهة "المانغو" المقطوعة. في هذا المكان يبحث الزوار عن لحظات مسترقة تبعدهم عن مشاغل الحياة اليومية ومتاعبها.

يجلس الطالب في الهندسة الكهربائية عبد الله محمود (22 عاما) وأصدقاؤه على متن مركب ثابت على النيل.. لا يهتم محمود -كشأن رفاقه- بالشأن السياسي ولا بالعملية الانتخابية، بل حتى لا يعرف بعضهم أسماء المرشحين، وكل ما يعرفونه أن الوضع سيبقى على حاله وأن نتيجة الانتخابات محسومة مسبقا لصالح حزب المؤتمر الوطني الحاكم.

لا يعبأ محمود وأصدقاؤه من خلال حديثهم بما يجري، كما أنهم قرروا عدم المشاركة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي تبدأ يوم 13 أبريل/نيسان الحالي وتتواصل حتى 15 منه.

"وضع الشباب محبط ولا أمل في التغير حاليا ولا بعد عشرين سنة"، يقول محمود للجزيرة نت، مواصلا حديثه بنبرة لا تخلو من التشاؤم.

محمود أعرب عن عدم اهتمامه
بالشأن السياسي (الجزيرة نت)

شاي ودردشة
يحتسي محمود ورفاقه الشاي ويواصلون الدردشة، بينما تنبعث من المراكب المجاورة أنغام الموسيقى الشعبية.

ويتأمل وضاح عثمان (21 عاما) مياه النيل التي انعكست عليها أشعة شمس العصر، ويتحدث بعد فترة من الصمت قائلا إن "الأيام المقبلة تشهد انتخابات.. لا أظن أن شيئا سيتغير".

ويضيف عثمان "نعيش حالة من الركود السياسي، والحزب البارز هو الحزب الحاكم، وبعض الأحزاب الأخرى لا تستطيع أن تنافس في الانتخابات". ويعلّق "لا ننتظر شيئا من الانتخابات الشكلية".

يسترسل عثمان في الحديث عن الخيارات المتاحة له ولغيره من الطلبة بعد التخرج، خيارات يراها متفاوتة في أهميتها، وربما يكون أفضلها برأيه فرصة عمل خارج البلاد. لكنه يضيف "لكن، لو.. لو تحسن وضع البلد ووجدت راتبا جيّدا، لن أخرج أبدا من السودان".

وبحسب لغة الأرقام فإن الشباب في السودان يشكلون النسبة الأكبر، فعدد المواطنين دون سن 25 عاما يمثلون أكثر من نصف عدد السكان، وفقا لآخر تعداد سكاني عام 2008. كما يشير آخر مسح شامل أجرته وزارة العمل السودانية نهاية العام الماضي، إلى ارتفاع نسبة البطالة إلى 18.8% وتركزها وسط فئات الشباب.

جسر جزيرة توتي على النيل الأزرق
(الجزيرة نت)

انصراف الشباب
ويقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة الزعيم الأزهري في الخرطوم آدم محمد أحمد إن عدم ثقة الشباب تتعدى العملية الانتخابية إلى ما هو أبعد من ذلك، لتشمل عدم الثقة في أحزاب السلطة والمعارضة وفي القادة عموما، وذلك لفشل المشروعات التنموية ووعود التغيير.

ويرى أحمد في تصريحه للجزيرة نت أن جيل الشباب يعيش "وضعا صعبا"، فهو لا يثق في الساسة ولا في الانتخابات، ويرى كل الوعود زائفة ولن تحدث فرقا.

ويضيف أن الأوضاع الحالية تجعل الكثيرين يفكرون في الهجرة، بينما يضطر آخرون للدخول في حالة من "النفاق" مع السلطة خدمة لمصالحهم، والحال لا ينطبق على الشباب فقط بل يشمل كل الفئات، حسب قوله.
 
ورغم الهموم التي تثقل تفكير جزء من الشباب السوداني، فإن التشاؤم ليس السمة الطاغية.

وبدا ذلك واضحا في كلام المحاضر بإحدى الجامعات السودانية مصعب مأمون علي الذي يقول "لقد وفّقت في العمل بسرعة بسبب درجاتي العلمية المرتفعة، وهذه فرصة لا تتاح لغيري".

فرصة العمل قد لا تتاح لكل الشباب السوداني، لكنها تبقى هدفه المنشود، وفي ظل عزوف شبه عام عن متابعة الشأن السياسي وإيمان شبه راسخ بأن الوضع القائم متواصل، فإن التفكير في لقمة العيش يبدو القاسم المشترك بين جميع الفئات على اختلاف ميولهم الفكرية وتوجهاتهم.

المصدر : الجزيرة