كثيرة هي الأمور التي أثارها محمود الهباش قاضي القضاة ومستشار الرئيس الفلسطيني في حواره مع الجزيرة نت، فقد أصر على ما جاء في خطبته بالتعامل الحازم مع "انقلاب حماس بغزة" واستبعاده المصالحة وتشديده على ضرورة زيارته للقدس.

حاوره عوض الرجوب-رام الله

يلحظ الزائر لقاضي القضاة ومستشار الرئيس الفلسطيني للشؤون الدينية والعلاقات الإسلامية الدكتور محمود الهباش في مكتبه بمدينة رام الله، احتياطات أمنية مشددة تطلبت تفتيش كاميرا الجزيرة نت عند الدخول إلى مكتبه لإجراء المقابلة.

الحديث مع الهباش -صاحب المواقف المثيرة للجدل- مغر، فمن دعوته للحزم مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، إلى التوجه الفلسطيني للمحكمة الجنائية الدولية، واستبعاده إتمام المصالحة الفلسطينية مرورا بالانتخابات وزيارة المسجد الأقصى وعدم اعترافه بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وبرئيسه الدكتور يوسف القرضاوي، والحراسات الشخصية، والاتهامات بأنه من أصحاب الثروات.

وتاليا الحوار مع الهباش:

 قلت في خطبة الجمعة الماضية إن ما جرى في غزة انقلاب ويجب التعامل معه بالحسم والحزم، مما أثار ردود فعل رافضة، ثم أصدرت بيانا توضيحيا قلت فيه إن البعض اختلق كلاما لم يرِد على لسانك؟ ماذا قلت بالتحديد؟

ما قلته قلته، ومعروف ومنشور وواضح. ما نشرته من توضيح وضع النقاط على الحروف: يوجد في غزة انقلاب، يجب أن نتعامل معه بمنتهى الحزم. هل يعقل أن تجيز حماس لنفسها استخدام القوة العسكرية في الانقلاب على السلطة في قتل المواطنين وعناصر الأمن الوطني، وعندما نتحدث بلهجة قوية عن وجوب إنهاء هذا الانقلاب والتراجع عن هذا الانقلاب تقيم حماس الدنيا ولا تقعدها.

 تزامن حديثك عن الحزم، مع عاصفة الحزم على الحوثيين في اليمن، هل تعني استخدام ذات الوسائل مع حماس؟

يوجد في غزة انقلاب، يجب أن نتعامل معه بمنتهى الحزم
لست مسؤولا عن كيف تفكر حماس. أقول ما أنا مقتنع به. ومن يريد أن يفهم حياه الله. ومن يريد أن يفهم العكس فهو حر. أنا لست قيّما على فهم الناس.

 هل تؤيد حلا عسكريا ضد حماس؟

أنا ملتزم بقرار القيادة الفلسطينية أيا كان، لا أعبر عن وجهة نظري هنا، أنا ملتزم التزاما كاملا بما تقرره القيادة الفلسطينية.

 هناك أخبار أن الرئيس انتقد الخطبة؟

لم أسمع من الرئيس أي تعليق. هل مطلوب مني أن أصدق كل ما يقال؟ أكذَبُ الحديث: قيل وقال، كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم. وأكذب شيء أن يقال لك: مصادر موثوقة. طيب أعطنا المصادر هذه.

 هل يعني ذلك أنه راض عن أقوالك؟

أعتقد نعم. أصلا لم أقل شيئا يخرج عن سياسة الرئيس، أنا ملتزم التزاما حديديا بكل ما يصدر عن القيادة. لو أردت أن أخالف القيادة الفلسطينية، فأمامي طريق واحد فقط هو أن أترك العمل العام والعمل الرسمي.

 ماذا عن آخر تصريح لك حول التوجه الفلسطيني للمحكمة الجنائية الدولية، هل القيادة ماضية في هذا التوجه؟

بالتأكيد قرار التوجه إلى المحكمة الجنائية الدولية اتخذ، وما زال قائما، نحن نمارس حقا قانونيا مشروعا ولا تراجع عن أي من الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، بما في ذلك حقنا في ملاحقة الاحتلال ومجرمي الحرب الإسرائيليين الذين ارتكبوا جرائم حرب بحق الشعب الفلسطيني.

 بأي قضايا ستكون البداية؟

كل القضايا موجودة بيد القيادة الفلسطينية. هناك لجان قانونية وسياسية مختصة وخبراء في القانون الدولي ودبلوماسيون. الجميع يعمل ضمن هذه الرؤية: ماذا نقدم؟ وماذا نؤخر؟ بماذا نبدأ؟ وكيف نبدأ؟ هذا أمر منوط بقرار القيادة الفلسطينية.

 لأول مرة نتحدث مع مسؤول في منصب ديني، عن شأن سياسي يخص القيادة، هل تحظى بمكانة خاصة لدى الرئيس تخولك الحديث في هذه القضايا؟

كل القضايا موجودة بيد القيادة الفلسطينية. هناك لجان قانونية وسياسية مختصة وخبراء في القانون الدولي ودبلوماسيون. الجميع يعمل ضمن هذه الرؤية: ماذا نقدم؟ وماذا نؤخر؟ بماذا نبدأ؟ وكيف نبدأ؟ هذا أمر منوط بقرار القيادة الفلسطينية

أنا مستشار الرئيس للشؤون الدينية والعلاقات الإسلامية، بمعنى أن لي ملفا سياسيا. وأنا جزء من هذا النسيج العام، ثم كل الشعب الفلسطيني يتكلم في السياسة. نحن مجبولون في الهم السياسي. لا تستطيع أن تفصل النضال اليومي عن العمل الرسمي، ولا الهم العام عن الهم الشخصي. ولا السياسة عن العمل القضائي أو القانوني أو الإداري، ولا فصل السياسة عن الزراعة، ولا فصل السياسة عن الاجتماع والدين والمسجد.

 المسجد يفترض أن يكون منبرا للتوجيه العام، فأنا أقصد القضايا العامة وليس القضايا الحزبية. بمعنى من حق أي شخص يرتقي المنبر أن يتحدث في السياسة وفق المُجمَع عليه، وليس السياسة الحزبية؟

المسجد ليس مكانا للصلاة والعبادة فقط، بل حاضنة لبناء العقول والتوجيه المعنوي والسياسي والوطني والاجتماعي والأخلاقي. لكن ممنوع استخدام الدين والمنبر للتنظير الحزبي.

 هل ينطبق هذا على خطبك يوم الجمعة؟

بكل تأكيد، كما قلت لك، أنا لا أتحدث بوجهة نظر، وإنما أتحدث بما عليه القيادة الفلسطينية.

 حماس تقول إنك تستغل المنابر لمهاجمتها؟

لا أكترث لأي شيء تقوله حماس.

 الأمر لا يتوقف على حماس، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير تيسير خالد انتقد خطبتك الأخيرة؟

وجهة نظره. أحترم جميع وجهات النظر حتى التي أختلف معها.

  هل لك اتصالات شخصية مع قيادات في حركة حماس؟ هل تجد فرقا بين حماس في الضفة وحماس في غزة؟

لا يخلو الأمر من مثل هذا. القصة ليست في الفروق الفردية. القصة في الموقف السياسي. لا أنظر للأشخاص، لا أحاكم الأشخاص ولا أحكم عليهم استنادا لقضايا شخصية وإنما لمواقفهم.

 كثيرون يسألون، لماذا لا تترك مناسبة إلا وتهاجم فيها حماس؟

لا أهاجم حماس، أهاجم مواقفها، حتى برنامجها لا علاقة لي به. أنتقد المواقف. قبل يومين، قلت بشكل واضح على تلفزيون فلسطين: عندما أرى صوابا في حماس فأنا معها، وعندما أرى خطأ أنا ضدها.

قلت لإحدى الإذاعات الأميركية: عندما يتعلق الأمر بمواجهة حماس مع إسرائيل فأنا حماس، وعندما يتعلق الأمر بالخلاف الداخلي أو بالشأن الداخلي فأنا مع الموقف الصواب، وأنا مع الشرعية. حماس انقلبت على الشرعية الوطنية. وهذا هو محور ومفصل موقفي منها. عندما تعود حماس إلى الشرعية الوطنية تنتهي المشكلة.

 تحظى بمكانة عند الرئيس، جاء وزراء ورؤساء حكومات وذهبوا، وأنت باق. لماذا؟

سأذهب، وتبقى فلسطين. كل منا يؤدي دورا، كل منا على ثغر، كل منا له مهمة. ولو غادرت الموقع الرسمي سأنتقل للنضال الوطني. أنا مثل كل الشعب الفلسطيني، نولد ونموت مناضلين.

 لكن الكثيرين يسألون: ما سر العلاقة المتينة بين الرئيس والدكتور الهباش؟

من الواضح أن الأمور لا تسير بالشكل المطلوب، الأمل يخبو في تحقيق مصالحة قريبة، لأن المصالحة لها قاعدة أساسية تنطلق منها، ليس لدينا وهم أن حماس يمكن أن تأتي لمواقف فتح أو منظمة التحرير أو القيادة الفلسطينية أو العكس، حماس لن تصبح فتح وفتح لن تصبح حماس

هو نفس السر الذي بينك وبين الرئيس. الرئيس أب ورئيس للشعب كله، ليس هناك أحد مقدم على أحد عند الرئيس، الجميع سواسية، والرئيس ملتزم بالقانون والعدل.

 ما هو توجهك الفكري وانتماؤك الفصائلي؟

أنتمي لفلسطين الفصيل الأكبر.

 بالانتقال لملف إنهاء الانقسام، هل ترى مصالحة في الأفق؟

من الواضح أن الأمور لا تسير بالشكل المطلوب، الأمل يخبو في تحقيق مصالحة قريبة، لأن المصالحة لها قاعدة أساسية تنطلق منها، ليس لدينا وهم أن حماس يمكن أن تأتي لمواقف فتح أو منظمة التحرير أو القيادة الفلسطينية أو العكس، حماس لن تصبح فتح وفتح لن تصبح حماس.

 ما الحل؟

الحل هو العودة إلى الجمهور إلى الناس، الاحتكام إلى الجماهير. عندما نختلف يجب أن نحتكم إلى حكم. من هو صاحب السيادة في المجتمع الفلسطيني، حماس أم فتح؟ صندوق الانتخابات هو الحل.

 هل الظرف مناسب؟

بكل تأكيد، ما المانع؟ نحن عملنا انتخابات في ظل انتفاضة الأقصى في 2006.

 ربما يمنع الاحتلال، وظروف غزة قد لا تسمح؟

علينا ألا نتذرع بأي ظروف، علينا أن نخطو خطوة للأمام. نحن قادرون على إبداع أكثر من وسيلة أو طريقة للخروج من هذا المأزق. لكن الاستمرار في المراوحة في ذات النقطة قاتل، ويدمر المشروع الوطني.

 دعوتم مرارا لزيارة القدس، خلافا لدعوات أخرى رافضة، ما مدى التجاوب مع دعوتكم؟

أولا زيارة القدس حق وواجب على كل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. موقفنا وموقف الرئيس والقيادة مستند إلى الضرورات السياسية والاعتبارات الشرعية. كان موقفا مناديا وحاثا على زيارة القدس بغض النظر عن التفاصيل وهوية الزائر. كان هناك خلاف فقهي. لكن قبل أيام اتخذ مجمع الفقه الإسلامي الدولي -الذي يعتبر المرجعية الأعلى من الناحية الفقهية للدول الإسلامية والذي تمثل فيه كل دول العالم الإسلامي- قرارا أن زيارة القدس مستحبة ومرغوب فيها، باعتبارها سنة نبوية ثابتة وفضيلة دينية لا يستطيع أحد المجادلة فيها. القدس ليست مسؤولية ثلاثمائة ألف فلسطيني يعيشون في المدينة، ليست مسؤولية 11 مليون فلسطيني، بل مسؤولية مليار ونصف مليار مسلم وأكثر من ملياري مسيحي، بالتالي هي ليست مسؤوليتنا وحدنا.

 كيف يمكن للزيارات أن تمنع التهويد والاستيطان؟

الزيارات تشكل حجر زاوية في إفشال مشروع التهويد، لأنك عندما تأتي بعشرات ومئات آلاف المسلمين والمسيحيين إلى القدس ويتواجد فيها هؤلاء الزائرون بالآلاف كيف ستصبح هوية المدينة؟

 هل ستسمح إسرائيل بوصول الآلاف؟

دع الموضوع الإسرائيلي جانبا. نحن نتحدث هنا من حيث المشروعية والحق. الأمر مشروع وحق. إذا سمحت فهذا ما نريد، هذا حقنا. وإذا منعت يمكن لأي مسلم أو مسيحي أن يقاضي إٍسرائيل قوة الاحتلال في أي مكان في العالم. أنتم تمنعون ممارسة الشعائر الدينية، وتمارسون الاضطهاد الديني بحق المسيحيين والمسلمين، عندما تمنعونهم من الوصول إلى مقدساتهم. فأيا كانت النتيجة، القدس ستربح.

 لكن يبدو أن الدعوات الرافضة من الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين كانت أنجح؟

زيارة القدس حق وواجب على كل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. موقفنا وموقف الرئيس والقيادة مستند إلى الضرورات السياسية والاعتبارات الشرعية

لا على الإطلاق، أنا لا أعترف بهذه المسمى، أنا أعترف بالمرجعية الدينية، بما قال الله وقال نبيه وما عليه إجماع علماء المسلمين. الإجماع منتف في هذا الزمان لا يوجد إجماع، هناك اختلافات. إذا ما المرجع؟ ما المخرج؟ الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا: كتاب الله وسنتي.

 ننتقل إلى الملفات الشخصية.. نشر أنك تملك أموالا وفللا (مساكن راقية) في الأردن ورام الله، ماذا تملك؟

(يضحك) يا ريت، هل تظن أنني أكره امتلاك هذه الحاجات؟ أتمنى. لكن في نفس الوقت ليس لدي ترف إضاعة الوقت في الركض وراء هذه الخزعبلات. ليقل من شاء ما شاء.

 لكن في ملعب السياسة كل شيء متوقع؟ أليس كذلك؟

في عالم السياسة كل شيء متوقع. لكن أيضا السياسي لا ينبغي له أن يلتفت لإشاعة من هنا وافتراء هناك، وإلا سيظل واقفا حيث هو. اترك هذه الخزعبلات وراءك، ما تريده أمامك.

 تعرضت لإطلاق النار في رام الله قبل شهور، وتحظى بحراسات أمنية مشددة، هل تخشى شيئا؟

أنا لا أخشى إلا الله. كان الإمام علي رضي الله عنه يحذره البعض بأنه قد يتعرض للقتل والموت، فيضحك ويقول: أي يومَي من الموت أفرّ. يوم لا يُقدَر أم يوم قُدِر، يوم لا يُقدَر لا أرهبه، ومن المقدور لا ينجو الحذر. أنا إنسان -الحمد لله- مؤمن بأن الأجل إذا جاء لا يستأخِر ساعة ولا يستقدم ساعة.

 لكنك تحيط نفسك بإجراءات أمنية خاصة؟

كلا، إجراءات عادية جدا.

 سؤال أخير، ما هو طموحك السياسي بعد منصب قاضي القضاة؟

أن أرى القدس محررة، أن أرى فلسطين محررة. والقدس عاصمة دولة فلسطين، وأقيم في المسجد الأقصى بالقدس وهي محررة. وأن الاحتلال قد زال.

المصدر : الجزيرة